مات المفكر هشام جعيط

  • 22-06-2021

مثقف ومُفكر كبير، كرّس كل جهده للبحث في التاريخ والتراث الإسلامي.

نعته الأوساط الثقافية بتونس في الأسابيع الماضية.

هشام جعيط... قدم للمكتبة العربية العديد من المؤلفات، وأهمها: "الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي"، و"أوروبا والإسلام"، و"الوحي والقرآن والنبوة"، و"الفتنة"، وهذا الكتاب الأخير "الفتنة" هو الذي سأعرض له على عجالة في مقالي، لقراء "الجريدة".

***

* ناقش كتاب الفتنة قضايا حساسة، أحدثت جدلاً واسعاً، وانقسم فيه الناس إلى قسمين: مادحين منهجيته العلمية في البحث التاريخي، وساخطين عليه، لما يعتقدون أنه قد أساء إلى ما يعتبرونه مقدساً، لأن جعيط تناول "جدلية الدين والسياسة" في الإسلام المبكر... وقد صدر الكتاب باللغة الفرنسية 1982، ثم تُرجم إلى اللغة العربية عام 1991، وحاول تفكيك الوعي الإسلامي المتراكم تجاه أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في تاريخ المسلمين، حيث قام بمراجعة تاريخية لحادثة الفتنة، التي انشقت الأمة على أثرها إلى أكثر من طائفة حتى يومنا هذا، وحاول كذلك الوقوف طويلاً على "جدلية الدين والسياسة"، واعتبر أن تلك الجدلية استمرت منذ التأسيس، كحجر أساسي لقيام العديد من الثورات والحروب في التاريخ الإسلامي القديم، والحديث.

***

* كنت قد قرأتُ كتاب "الفتنة الكبرى" للدكتور طه حسين، وقارنت بينه وبين "فتنة" الدكتور جعيط، فتبين لي أن الدكتور طه لم يكن ليقترب من القضايا التي كان يراها محظورة عليه، بينما وجدت الدكتور هشام جعيط يقتحم الصعب، ويضع النقاط على الحروف، ويخوض في القضايا الصعبة، التي يرى أن من صنعها هم نفس الشخصيات التي عانت من ويلاتها، وغالبيتهم من الصحابة، بل والخلفاء، لينتهي بنا إلى تشخيص ملحمة إنشاء الدولة الإسلامية، وكيف أن الأحداث فيها قد حددت ملامح تلك الدولة، بعد مخاضات عسيرة بين قبائل، وعشائر، مُتنازعة، ومتقاتلة... ولم يتمكن من تحقيق ذلك لولا أنه اقترب من مناطق كانت شبه مُحرمة، فناقشها بشجاعةٍ وموضوعية، دون أية اعتباراتٍ لمحظورات، لأنه كان فيما يكتب يخاطب عقولاً جُبلت على حرية البحث:

***

* تمكن الدكتور جعيط من السيطرة على المنهج العلمي في البحث التاريخي، بحيث انتزع جانب عاطفة القداسة، الذي يعتري الكثير ممن يخوضون في تاريخ العقائد، في ذات الوقت بقي محتفظاً بهويتيه العربية والإسلامية، بحيث تخطى حواجز التناقضات التي كثيراً ما يتعثر فيها كتاب التاريخ الإسلامي، فهو لم تحكمه عاطفة الموروث على حساب الحقائق العلمية في البحث التاريخي.

***

رحم الله هشام جعيط، الباحث، والمفكر، والمثقف، الذي يحظى باحترام الصروح الأكاديمية في أوروبا، بينما لا تعرفه في وطنه العربي إلا النخبة!!

د.نجم عبدالكريم