فشل التعليم عن بُُعد!

بعد معايشة تجربة التعليم عن بُعد، سواء على المستوى المدرسي أو الجامعي، فإن شيئاً من الموضوعية يحتم علينا الاعتراف بأن هذه التجربة قد فشلت بامتياز. ويمكن تفصيل ذلك وفق ما يلي:

- المرسل والمتلقي.

- المرسل والرسالة.

- المتلقي والرسالة.

التعليم في الجوهر منه يقوم على مُرسل ومتلقّ، ويشكّل هذا الركن أساساً للعملية التعليمية، فإذا استقامت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وهي علاقة تفاعلية بامتياز، وصلت رسالة التعليم على أحسن وجه، وتحصّل الطالب على ما يُفترض أن يتحصل عليه.

لكن، كلما ساءت هذه العلاقة، انعكس هذا السوء على تحصيل الطالب، ويكاد ينتفي توصيل رسالة المدرس إذا ما انقطعت علاقته بطلابه، وفي التعليم عن بُعد، يكاد يكون انقطاع العلاقة هو الأصل، ففي فصل يزيد عدد طلابه على عشرين طالباً، بالكاد يتفاعل اثنان أو ثلاثة طلاب، بينما يحضر البقية وهم ليسوا بالحضور، ولذا فإن المدرس في معظم الأحيان يشرح المادة، وهو يتكلم مع نفسه أو مع شخص أو اثنين!

إن تمكّن المرسل/ المدرِّس من رسالته وفهمه لمادته إنمّا يسهّل عيه إيصال رسالته لطلبته، لكنّ توصيل الرسالة عن بُعد، ليس كما هو وجهاً لوجه، وهذا ما يستوجب أن يخترع كل مدرّس شكلاً يتناسب وطبيعة مادته، سواء بتقنية الأشكال، أو الصور، أو بتقنية الـ "باور بوينت"، وهذا في مجمله أوجد ضرورة إلمام المدرس بطرق جديدة لتدريس مادته، وبما يجعلها متاحة للفهم لدى الطالب، وهذا ما لم يكن. فعدد كبير من المدرسين مارس تدريس مادته عن بُعد كما اعتاد أن يدرسها حضورياً، مما أفشل توصيل المادة وأوقع الطلاب في تشويش وعدم فهم!

أن يقوم طالب بمتابعة حصة دراسية وهو نائم في فراشه، أو جالس في المقهى، أو في سيارته على شاطئ البحر، أو فتاة من المطبخ، أو في أوضاع كثيرة تثير العجب في حال المتلقي، وهذا مجتمع مسَّ الرسالة في الصميم، وأفسد المادة التعليمية، وبسؤال المدرسين عن تجاربهم مع طلابهم، يسمع الإنسان قصصاً يصعب تصديقها، وبما يؤكد عدم تلقي الرسالة بما تستحق من اهتمام واستعداد عقلي ونفسي.

لقد فرض "كوفيد 19"، ما يُسمّى بـ "الجديد المعتاد"، وهذا الجديد لا يمكن أن يتحقق في الواقع الإنساني دون تجربة ودون ممارسة ودون خبرة، ولذا فإن عدداً كبيراً من الممارسات الإنسانية الجديدة التي أوجدتها جائحة كورونا بحاجة إلى بُعد زمني ليتمكن الإنسان من ممارستها. فما بين يوم وليلة وجد الطالب المدرسي نفسه أمام عالم جديد يُطلق عليه "التعليم عن بُعد"، عالم يقوم على علاقة بالكمبيوتر وتقنية استخدامه، وعلى علاقة تفاعلية مع الآخر المختفي خلف الشاشة، وعلى شروط أولها الثقة بين المدرّس والطالب، وثانيها إخلاص الطالب وصدقه مع نفسه ومع مدرّسه، ومع فهمه للمادة.

والمتابع لظاهرة الغش التي أخذت أشكالاً جديدة مع التعليم عن بُعد، يدرك تماماً أن عدداً كبيراً من الأسر بحاجة إلى إعادة النظر في ثقافة الغش، وإن أبسط قواعد السلوك الإنساني تتطلب الأمانة، فما بالك بأمهّات وأخوات يتفننون في مساعدة أبنائهم أثناء الامتحان، وبغشّ واضح أمام الطالب، وبما يرسّخ في ذهنه مشروعية الغش، وممارسته بشكل علني وبحضور عائلي!

إن المتتبع لما جرى خلال فترة التعليم عن بُعد، يدرك بما لا يدع مجالاً للشك فشل هذه التجربة، وبالتالي ضرورة التفكير جدياً في الرجوع إلى التعليم الاعتيادي، إذا كانت الظروف الصحية تسمح بذلك، وإن لم يُتَح ذلك، فإن الواقع يقول بصراحة بضرورة تأهيل طلابنا بشكل إنساني وعلمي وفكري للانخراط في هذه التجربة القاسية!