لبنان: معارك على كل «الجبهات المسيحية»

انتقل لبنان من مرحلة التجاذب السياسي حول أزمة تشكيل حكومة جديدة، والتي أصبحت هامشية في ظل فقدان أي معطى يشير إلى إمكانية تأليفها سريعاً، ودخل في مرحلة جديدة من الضياع السياسي الكلي.

واختار رئيس الجمهورية ميشال عون نقل المعركة إلى جبهتين: جبهة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وجبهة التدقيق الجنائي، بينما بدأ الفريق المعارض له طرح فكرة تغيير السلطة، سواء عبر انتخابات رئاسية أو نيابية مبكرة، أو تشكيل حكومة عسكرية انتقالية برئاسة قائد الجيش يُعتقد أنها قد تعيد كل القوى السياسية إلى مواقعها في السلطة، بينما يكون الخاسر الأكبر عون و«التيار الوطني الحرّ»، الذي يرأسه صهره جبران باسيل.

كل الأفكار التي يتم طرحها هدفها الاستمرار في المبارزة السياسية، وفي تعزيز كل طرف لشروطه، لكنها غير قابلة للتطبيق، خصوصاً ما يتعلق بالحكومة العسكرية، والتي اتسع الحديث حولها في المرحلة الأخيرة، وصولاً إلى كلام لنائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي عن ضرورة إقدام الجيش على هذه الخطوة.

الفرزلي ابن النظام، ولدى سؤاله من بعض المعنيين عن خلفية طرحه قال إنه ليس الوحيد الذي يدعو إلى ذلك، وسط معلومات تفيد بأن سفارات كانت تبدي اهتماماً بكل النشاطات، التي تعقد على هذا الصعيد.

موقف الفرزلي يشير إلى وجود خلاف عميق بين أركان النظام اللبناني، فهو الرجل الذي كان مقرباً من عون وأحد أعضاء فريقه الاستشاري، وها هو يبتعد عنه على خلاف، بينما صِلاته معروفة برئيس مجلس النواب نبيه بري، والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري.

في موازاة هذا الطرح، بدأ الضرب تحت الحزام سياسياً، على خلفية ملف ترسيم الحدود؛ ففريق رئيس الجمهورية يريد تحميل مسؤولية ما جرى حول المرسوم الأخير، الذي جرى تجميده، لقائد الجيش، بحسب مصادر سياسية واسعة الاطلاع، وذلك بهدف إحراقه داخلياً وخارجياً.

وتتوقع المصادر أن يستمر هذا الصراع في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن عون يخوض معارك ضد كل المواقع المسيحية المارونية البارزة في الدولة.

فقد بدأ عون معركته ضد حاكم مصرف لبنان، وهو المنصب الماروني الأهم في الدولة، إذ يخوض ضده حرباً ضروساً، ومن تحتها صراع وعزلة أدت إلى انهيار القطاع المصرفي، والذي يعود في أساسه إلى مرتكزات المكتسبات المسيحية في بنية النظام اللبناني والتركيبة المالية والاقتصادية للبنان.

وفيما بعد أصبحت المعركة في مواجهة قائد الجيش، الموقع المسيحي الماروني البارز أيضاً، منذ محاولات توريطه في المواجهة مع المتظاهرين قبل أكثر من سنة، وصولاً إلى الخلاف معه على مسألة ترسيم الحدود.

إلى جانب المعركة، التي تصيب هذين الموقعين، هناك حرب أخرى فتحت قضائياً ستنعكس سلباً على السلطة القضائية في لبنان، لاسيما أن رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود من الطائفة المارونية أيضاً، وعندما تم تعيينه كان عون يعتبره من أكفأ القضاة، لكن الخلاف بدأ بينهما منذ إعداد التشكيلات القضائية، التي رفض رئيس الجمهورية إقرارها، وقد تطور الخلاف ليصل إلى ما وصل إليه في الأيام الماضية من صراع بين القضاة، على خلاف ما جرى مع القاضية غادة عون المحسوبة على الرئيس.

كل هذه التطورات تقدم صورة سلبية جداً عن الواقع اللبناني، وتحديداً الواقع المسيحي، إذ إن عون يخوض معركة مع كل القوى المسيحية، وكذلك مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي تؤكد المعلومات أن العلاقة سيئة معه بسبب مواقفه، التي تحمل رئيس الجمهورية مسؤولية التعطيل.

مصادر سياسية بارزة تعتبر أن عون يخوض معركة توريث عهده لباسيل، ولو كان ثمنها تدمير كل ما تبقى، بينما عون وباسيل يعتبران أنهما يخوضان معركة ضد الفساد ولتحصين حقوق المسيحيين. إنه صراع قديم جديد، سينطوي على الكثير من الانهيارات ومن التوترات في الشارع أيضاً.

وسط ذلك، يسير لبنان بخطى ثابتة نحو الانهيار، فأواخر الشهر المقبل يفترض أن تتوقف سياسة دعم السلع الأساسية والضرورية. وينقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري قوله: «إن يوم الأول من حزيران (يونيو) هو يوم آخر». في إشارة إلى حجم الضغوط والمصاعب الاجتماعية والمعيشية. وهو موقف يشير إلى أن لبنان يقترب من الانفجار، بلا أي بوادر للوصول إلى تسوية سريعة.

منير الربيع