إقرار «الرهن العقاري» دون الأخذ بالمحاذير يفاقم الأزمة الإسكانية

أحالت الحكومة الى مجلس الأمة، الأسبوع الماضي، برنامج عملها للفصل التشريعي السادس عشر، تضمّن 12 مطلبا تشريعياً، من بينها مشروع قانون التمويل العقاري.

«الجريدة» استطلعت آراء عدد من العقاريين حول القانون، وما يحمله من إيجابيات أو سلبيات، وآثاره على السوق العقاري، وعما إذا كان يساهم في حلحلة الأزمة الإسكانية التي تعانيها الدولة.

وقد جاءت آراء العقاريين متوافقة الى حد كبير، حيث اتفقوا على أن الرهن العقاري يعد أحد الحلول التمويلية للأزمة الإسكانية، ويوفر أدوات تمويلية أخرى بديلة عن بنك الائتمان، كما أنه يخفف الضغط عن ميزانية الدولة التي تعاني العجز.

وأشار العقاريون إلى أن الرهن العقاري سيفاقم الأزمة في حال عدم تحرير المزيد من الأراضي، حيث تفوق وفرة المعروض الطلب، وذلك لكي تمتص السيولة الناتجة عن هذا القانون، وأن تكون هناك خطوات استباقية وضوابط عديدة كي لا يستغل هذا القانون من البعض.

وقالوا إن الرهن العقاري، إن طُبّق دون أخذ المحاذير في عين الاعتبار، فإنه لن يعالج الأزمة الإسكانية، بل سيساهم في تضاعف أسعار العقارات بشكل غير مسبوق، وفيما يلي التفاصيل:

قال الرئيس التنفيذي لشركة بلوبرينت، مشعل الملحم، إن قوانين الرهن العقاري التي يروج لها قد تسبّب تفجير الأزمة الإسكانية إذا لم يتم الانتباه لمحاذيرها وعواقبها، فالبنوك التي سترفع سقف التمويل لتواكب أسعار العقار المرتفعة ستتسبب في توفير سيولة فورية لأكثر من 90 ألف كويتي ينتظرون السكن، ونظرا لشحّ الأراضي وندرتها، فإن السيولة الضخمة ستصب في عدد محدود جدا من الأراضي، وسيتسبب هذا في رفع أسعارها بشكل خرافي غير مسبوق.

وأشار الملحم إلى أن ذلك سيدعو التجار للحفاظ على أراضيهم، طمعا في ارتفاع أسعارها، فيغدو الأمر وكأنك تنفخ بالونا بأكثر من طاقته من الهواء، فإمّا أن ينفجر أو أن تتوقف عن النفخ فيه.

وتابع أن من أهم شروط إطلاق يد البنوك في التمويل العقاري للعقارات السكنية هو وفرة العرض بشكل يفوق الطلب، كي يمتص السوق السيولة العظيمة، وهذا ما لا يتوافر في الكويت أبدا، ولن يتوافر على المستقبل المنظور، كما يجب إعمال نظام ضريبي صارم وحازم، يقضي بموجبه بمنع احتكار الأراضي الفضاء منعا باتا إلا في حدود الـ1000 متر للشخص الواحد، على أعلى تقدير، ولا يستعاض عن هذا المنع بالضرائب أبدا.

وأردف قائلا: كما يجب فورا تطبيق ضريبة عالية على كل من يستخدم مسكنه لتأجيره للغير، وإعفاء مشتري العقار لأول مرة من رسوم التسجيل العقاري، وتطبيق رسوم متنامية على عمليات الشراء التالية، كي يحدّ من عمليات المتاجرة بالعقارات السكنية والمضاربة فيها، فالعقارات السكنية حاجة إنسانية لا سلعة تجارية، ويجب ألا تكون، بأي حال من الأحوال، بضاعة للمتنفعين، السكن والماء والغذاء والهواء، أساسيات حياة الإنسان، ولا يجب المضاربة أو المتاجرة بها.

ولفت الى أن الرهن العقاري قد يسمح بنزع ملكية المتعثّر عن السداد إن حصل ذلك، وهذا أمر وارد، فهل ستقبل الدولة أن تعالج قصورها في حل الأزمة الإسكانية بتفعيل قانون قد يتسبب في تشريد الأسر، عوضا عن جمعهم في بيوتهم؟

وأفاد الملحم بأن فكرة الرهن العقاري العالمية، إذا طبّقت دون أخذ المحاذير في عين الاعتبار، فإنها لن تعالج الأعراض، بل سوف تستفحل الأمراض، فناهيك بأنها ستضاعف أسعار العقار، وتهدد بتشتيت الأسر المتعثرة في السداد، فإنها ستكسر كاهل المقترض في ديون لن يستطيع سدادها طوال حياته، أخذا في الاعتبار مبالغ القروض المتوقعة، بل إنه سيورث الديون لأبنائه إن لم يكن لأحفاده.

التعامل مع القانون

من جهته، قال رئيس الاتحاد الكويتي لوسطاء العقار، عبدالعزيز الدغيشم، إن الرهن العقاري كان يتم التعامل به خلال فترة سابقة من الزمن، وخرجت العديد من المناطق من خلاله.

وأشار الى أن أسعار العقارات السكنية كانت في السابق منخفضة ومناسبة للجميع، أما في الوقت الحالي فإنها مرتفعة جدا، وفي حال إقرار قانون الرهن العقاري سنشهد ارتفاعات أكبر من الحالية.

ولفت الى أنه قبل الشروع في سنّ قوانين تمويلية عقارية، يجب وضع حلول لمشكلة شح الأراضي، وعدم توافر معروض، إضافة الى وضع آليات لتحكم بالأسعار لكي لا تستغل من البعض، وأيضا تنظيم عمل المطور العقاري وإدخال القطاع الخاص شريكا في حل الأزمة الإسكانية.

وتابع أنه يجب على الحكومة دراسة السوق العقاري المحلي من جميع جوانبه، كي لا يخرج قانونا مشوها يلقي بظلاله السلبية على السوق، ويفاقم المشكلة الإسكانية.

وذكر أن حل الأزمة لا يتطلب فقط إقرار قانون لتمويل السكن، بل إن هناك حاجة الى مجموعة من القوانين والخطوات، إضافة الى تغيّر النهج المتّبع في عملية توفير السكن للمواطنين، والاستفادة من تجارب الدول التي كانت تعاني أزمة إسكانية.

وأفاد بأن السوق بحاجة الى توفير مدن متكاملة وليس السكن فقط، حيث إن معظم المواطنين الذين تسلّموا أراضي في مناطق بعيدة، والتي لا توجد بها خدمات متكاملة قاموا بتأجيرها واتجهوا للسكن في المناطق النموذجية القريبة من أماكن عملهم.

وأردف أن القصور في تلك المناطق رفع الطلب على العقارات السكنية في المناطق الداخلية، موضحا أن توفير مدن متكاملة سيخلق نوعاً من التوازن في عملية العرض والطلب وأيضاً الإيجارات.

أدوات تمويلية بديلة

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة أعيان العقارية، إبراهيم العوضي، إن الرهن العقاري تم تداوله بشكل كبير خلال الفترة الماضية كإحدى الأدوات التي ستساهم في حل الأزمة الإسكانية في الكويت، موضحا أن هذا القانون لا يعد نظاما مستحدثا، بل إن العديد من الدول أقرت القوانين المنظمة لهذا القانون وهيأت التشريعات المصاحبة له.

وأضاف العوضي أن الرهن العقاري ليس مفتاحا سحريا لحل الأزمة الإسكانية، لكنه يعد أحد الحلول التمويلية لهذه الأزمة، ويوفر أدوات تمويلية أخرى بديلة غير بنك الائتمان، كما أنه يخفف الضغط عن ميزانية الدولة التي تعاني العجز.

وأشار الى أن بنك الائتمان قدّم خلال السنوات العشر الماضية نحو 2.7 مليار دينار، ويحتاج الى ما يقارب المليارين لتمويل التوزيعات السكنية في منطقتي المطلاع وجنوب غرب عبدالله المبارك خلال السنوات القادمة، لذلك يعد القانون أداة تساعد الدولة على تغطية قروض الطلبات الإسكانية.

وتابع: يجب على صانع القرار الأخذ بعين الاعتبار بعض النقاط المهمة لصياغة قانون الرهن العقاري، ومنها وجوب ربط هذا القانون بتمويل منتج إسكاني، وأن يكون مقتصرا على أصحاب الطلبات الإسكانية، وألا يتم تقديم هذا المنتج لغير المستحقين المسجلين في المؤسسة العامة للرعاية السكنية، حيث إن الهدف من إقرار هذا القانون هو حل مشكلة التمويل، وليس توفير مصادر دخل أخرى للتجار أو للمنتفعين الراغبين في تملّك المزيد من العقارات.

وأفاد بأن من بين النقاط المهمة يجب أن تتحمل الدولة فوائد هذا التمويل، على أن يتحمل المواطن أصل الدين، وأن تكون فترات التمويل طويلة الأمد، بحيث يتوافق دخل المواطن مع المبالغ المقسّطة، ومن بين أهم النقاط وضع آلية تحمي المواطن ومسكنه في حال تعثّره عن السداد.

واختتم العوضي تصريحه بأنه في حال إقرار هذا القانون، ولم تقم الدولة بتحرير المزيد من الأراضي، فإنّ هذه تعد إشارة واضحة برفع أسعار العقارات.

سند الشمري