العراق يستقبل البابا بإمكانات متواضعة ورهانات صعبة

يبدأ بابا الفاتيكان، غداً، زيارة تاريخية إلى العراق تستمر ثلاثة أيام، يزور خلالها خمس مدن، ويؤدي القداس الإلهي باللغة الآرامية، وهي لغة مشرقية قديمة يعتقد البعض أن السيد المسيح كان ينطق بها، للمرة الأولى في تاريخ الفاتيكان.

لكن بغداد بإمكانات متواضعة وظروف أمنية واقتصادية سيئة وسط توتر سياسي متصاعد، تسابق الزمن للقيام بما يمكن من التحضيرات، المحاطة بتعقيد في معظم محطات الزيارة، التي بذل رئيس الجمهورية برهم صالح جهوداً كبيرة لإقناع البابا فرانسيس بموعدها، الذي تأجل قبل 21 سنة؛ كي لا تحسب الزيارة دعماً لنظام الدكتاتور صدام حسين، ثم أُجلت بعد ذلك مراراً بسبب الحروب والأزمات المتواصلة.

وسبق أن أعلن الفاتيكان أن البابا يدرك أنه سيزور مدناً تعاني ويلات الحروب، وهو سيكرس صلاته لتقديم العزاء والإعجاب للضحايا من كل الطوائف، التي جربت نحو خمسة عقود من الاقتتال والمواجهات المدمرة، كما سيكرس صلاته من أجل السلام في الشرق الأوسط، الذي يعاني واحدة من أشرس دورات العنف.

أولى محطات البابا ستكون في مدينة اور التاريخية في محافظة ذي قار، حيث زقورة الحضارة السومرية والبابلية، التي تنقب حولها الكنيسة منذ نحو قرن ونصف القرن وترجح أن نبي الله إبراهيم الخليل قد ولد وعاش هناك، حيث توجد دار فسيحة عثر فيها على أختام طينية مدونة عليها رموز عن التوحيد الإلهي واسم إبراهام.

وبهذه المناسبة، أعلنت حركة «تشرين» الاحتجاجية تعليق المظاهرات الدامية احتراماً لقدوم البابا، والتزمت الأطراف الأخرى بتنازلات مماثلة.

أما في الموصل وأربيل، فسيلقي البابا نظرة على أقدم الكنائس التي يصل عمرها إلى ألفي عام، إلى جانب أضرحة أنبياء بني إسرائيل وعدد من كبار القديسين الذين تحترمهم الكنيسة.

وتقول مصادر مقربة من كواليس الزيارة، إنها تستبطن دعماً دولياً لمؤسسات الدولة العراقية في مواجهة الميليشيات، التي تستولي على قدر كبير من القرارت الأمنية وتصعد التوتر مع حكومة مصطفى الكاظمي وحراك «تشرين» الشعبي.

وتضيف المصادر، أن المحطة الأكثر إثارة في زيارة البابا فرانسيس هي مدينة النجف، حيث يلتقي المرجع الديني الأعلى لشيعة العالم علي السيستاني، في حدث يذكر بلقاء البابا مع شيخ الأزهر في القاهرة عام 2017 .

ويدور في الأوساط النجفية أن لقاء البابا بالمرجع الأعلى سيتضمن دعماً معنوياً لمرجعية النجف في تنافسها مع مؤسسة المرشد علي خامنئي، الذي يحاول السيطرة على شيعة العالم ضمن حروب الوكالة التي يشنها الحرس الثوري في عموم المنطقة.

وعلى الطرف الآخر، تقول مصادر في الكنيسة العراقية، إن لقاء البابا بالقيادات الإسلامية في العراق سيشجع النخب المسلمة في القيام بالمزيد من الخطوات لمكافحة السلوك المتشدد الذي تمارسه أطراف سنية وشيعية ودفع ثمنه أبناء الثقافات المتنوعة في العراق والمنطقة، خصوصاً المسيحيين وأبناء الديانة الإيزيدية وغيرهم.

وشهدت منطقة شمال العراق، الأكثر تنوعاً من حيث اللغات والديانات، اضطراباً أمنياً الشهر الماضي بعد قصف فصيل مجهول لمدينة أربيل انطلاقاً من ضواحي نينوى، وهما محطتان أساسيتان في زيارة البابا.

لكن وفوداً أمنية من القوات الإيطالية، زارت العراق مرتين الشهر الماضي، وقالت إن مستوى الأمن ضمن المعايير التي يقبلها البابا، كما أنه صرح باستعداده للمجازفة في وقت جائحة كورونا، لشدة اهتمامه بعدم حصول تأجيل آخر لزيارة بيت إبراهيم الخليل.

وأمس، أثارت رشقة صواريخ، من طراز إيراني، أطلقت على قاعدة عين الأسد، التي تضم جنوداً أميركيين غرب بغداد، مخاوف أمنية بشأن الزيارة وألقت الضوء على الصعوبات اللوجستية التي تواجهها السلطات العراقية، لكن البابا فرانسيس أكد أنه سيلتزم بالموعد، قائلاً إنه لا يريد أن «يخيب آمال شعب للمرة الثانية».

بغداد - محمد البصري