2.7 مليار دينار هدراً وغموضاً في الميزانية

رغم كل ما يقال في الخطاب الاقتصادي الرسمي عن ضرورة ترشيد الإنفاق العام بغية تقليص عجز الميزانية، فإن الميزانية العامة للدولة لعام 2020-2021 المحدثة مؤخراً، وفقًا لتداعيات جائحة كورونا، حفِلت بقدر مرتفع من الهدر الصريح في الإنفاق، فضلاً عن رصد مئات الملايين من الدنانير على أوجه صرف غامضة أو تحتاج إلى إيضاح وتفسير.

ومع تجاوز أبواب في الميزانية لا تخلو من الهدر، لكنها بحاجة إلى إعادة هيكلة متوسطة المدى كالدعوم لإعادة توجيهها لمستحقيها من المواطنين، وفصل المبالغ والدعوم الموجهة للأفراد عن تلك الموجهة للشركات، فضلاً عن ضبط الهدر في المشاريع والمناقصات وتوحيد أنظمة الشراء والطرح في أجهزة الدولة، الذي يكلف الميزانية سنوياً مئات الملايين؛ فإن ما سنعرّفه في هذا التقرير بـ«الهدر الصريح» هو ما يتعلق بأوجه الصرف، التي يمكن الاستغناء عنها سريعاً وبسهولة، دون أن تكلف الدولة جهدا كبيرا، أو ينتج عنها نقص في الخدمة أو تنعكس سلباً على احتياجات المواطنين، ودون التطرق أيضاً إلى تكلفة الفساد المالي، مع أهمية الإشارة إلى أن عرض المبلغ في باب معين لا يعني ضرورة إلغائه بالكامل، بل يعني في بعض منها أهمية ترشيده بشكل جذري، وفق الاحتياجات المعقولة.

%12.5 من الميزانية

ورغم أن ديباجة الميزانية المنشورة على موقع وزارة المالية شددت على أنها راعت «ترشيد الإنفاق وخفض وضبط المصروفات، وإلغاء المصروفات غير الضرورية والثانوية غير المؤثرة على أداء الجهات الحكومية» فإنه بعد استعراض كافة مصروفات الميزانية تبين أن إجمالي الهدر الصريح، مشمولا بالبيانات الغامضة، بلغ 2.7 مليار دينار، أي ما يوازي 12.5 في المئة من اجمالي مصروفات 2020-2021.

وفي التفصيل، نجد أن رصد قيمة 440 مليون دينار لتغطية نفقات العلاج بالخارج لا مبرر له، أولاً لكونه استمرارا لسياسات العلاج السياحي، الذي تعاظمت قيمته في السنوات الماضية لشراء الولاءات، وثانيا لأن وزارة الصحة افتتحت في السنوات الاخيرة العديد من مشاريع التوسعة الصحية والمراكز في المستشفيات الحكومية، فضلاً عن السبب الثالث، وهو الأهم، كون العلاج بالخارج يفترض أنه متوقف او ضمن أضيق الحدود، بسبب تداعيات فيروس كورونا على السفر او العلاج في مختلف دول العالم.

والحديث عن الهدر في العلاج بالخارج يجر إلى فاتورة ما يعرف في الميزانية بـ «التأمين الصحي للمتقاعدين» وتبلغ قيمته 114 مليون دينار سنوياً، وهو إنفاق أيضا لا معنى له في دولة تقدم خدمة العلاج المجاني لمواطنيها.

طريقة الإنفاق لا هدفه

وللتوضيح، فإن الهدر في حالتي «العلاج بالخارج أو التأمين على المتقاعدين» يتمثل في طريقة الإنفاق لا هدفه، فما أنفق من أموال على العلاج بالخارج خلال 6 سنوات ماضية يلامس 3 مليارات دينار، وهو مبلغ يمكن أن يؤسس لبنية تحتية تجعل العلاج الداخلي أفضل من أكبر المستشفيات العالمية، فضلاً عن أن أموال التأمين الصحي للمتقاعدين يمكن بها بناء وتشغيل مستشفى خاص بهم، متخصص بالأمراض التي تشمل فئتهم العمرية، فالهدر لا ينحصر فقط في قيمة ما تنفقه الدولة على خدماتها بل أيضا في محدودية كفاءة هذا الإنفاق وانعدام الديمومة وتضييع فرص سهلة لتأسيس بنية تحتية صحية مفيدة على المدى الطويل.

أعلى من سنوات الرخاء

كما تتضمن الميزانية مصروفات عالية تزيد حتى على نظيراتها في سنوات الرخاء قبل العجز، إذ تنفق الكويت على الضيافة والحفلات والهدايا والرحلات 21 مليون دينار، وهو بند يختلف عن بند المراسلين والفندقة الذي تبلغ كلفته 8.2 ملايين دينار، والمعارض 3 ملايين دينار، وهي تختلف عن مصروفات المؤتمرات المحلية البالغة قيمتها 3.4 ملايين، والقرطاسية والأدوات المكتبية 6.3 ملايين، وإيجارات المباني الحكومية 61 مليوناً، رغم وجود العديد من المدارس او الكليات المملوكة للدولة دون استغلال.

وتبلغ مصاريف التدريب الداخلي والخارجي في الميزانية 10 ملايين دينار، وهي تختلف عن مصروفات المهمات الرسمية الخارجية البالغة 34 مليون دينار، دون احتساب تكاليف تشغيل الطائرات الحكومية البالغة 18 مليوناً، كما تحتوي مصروفات الميزانية مبالغ يفترض ان تصرفها جهات أخرى مثل رصد 60 مليون دينار منح لجهات وحكومات أجنبية، وهذا دور يضطلع به الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية بمئات ملايين الدنانير سنوياً.

أما عقود الاستشارات في الميزانية، فقيمتها 61 مليون دينار، وتختلف عن قيمة عقود المستشارين في الأجهزة الحكومية البالغ قيمتها 22 مليوناً، وهما يختلفان أيضا عن بند ما يعرف

بـ «مكافآت وجوائز لغير الموظفين» (93.3 مليوناً)، كما تتحمل الميزانية تكاليف تنفيذ أحكام قضائية ضد الدولة بقيمة 19 مليون دينار، وكذلك تصرف الميزانية على الأوسمة والنياشين 26 مليوناً.

مصروفات مبهمة

أما المصروفات الغامضة أو المبهمة وغير المفصلة في الميزانية فقيمتها أعلى بكثير من الهدر الصريح، بل إن أثرها من حيث ضعف الشفافية أكبر ضرراً على الأموال العامة، فبند «مصروفات خاصة»، الذي طالما كان بابا لشبهات مالية، تبلغ كلفته 62 مليون دينار، أما بند «أعمال أخرى» فقيمته 84 مليوناً، و«الخدمات المتنوعة» 358 مليوناُ و«الأنشطة المختلفة» 135 مليوناً، وهذه كلها بنود تصل قيمتها إلى 639 مليون دينار، ولا شك أن غموضها يفتح أبواب الشك بجودة المصروفات، ما بين اتهامات بالهدر وحتى الفساد.

مدى متوسط

بالطبع تحفل الميزانية أيضا ببنود ذات هدر وغموض يمكن التعامل معها على مدى متوسط، لكن استمرارها يمثل هدراً صريحاً ويجب التحرك لمعالجته منذ الآن، مثل إنفاق 506 ملايين دينار على البعثات الدراسية الداخلية والخارجية سنويا، وبشكل متصاعد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نحو 70 في المئة من هذا الابتعاث داخلي، في حين ان كلفة انشاء جامعة جديدة كبنية تحتية مستمرة على مستوى جامعة الأميرة نورة في المملكة العربية السعودية تبلغ نحو 1.5 مليار دينار، وهذه ليست دعوة لإلغاء بند الابتعاث، بل لترشيده وحوكمته وفقًا لضوابط مالية وتنموية وتعليمية صارمة، وفي المقابل نجد من ضمن البنود الغامضة بند جديد في الميزانية، وهو «مصروفات طارئة» بقيمة 500 مليون دينار، وهو متعلق بالمصروفات التي فرضتها تداعيات جائحة كورونا على الإنفاق العام، لكن كان من المفترض أن يحدد هذا البند رسمياً بمصروفات الجائحة، كي لا تكون هناك مرونة غير مبررة لتكراره في السنوات المقبلة، مع العلم بأن وجود بند لمصروفات كورونا يستدعي منطقياً أن تتقلص العديد من البنود الواردة في الميزانية أعلاه، بسبب ما فرضته الجائحة من تداعيات كإغلاق الاقتصاد والحدود وتعطيل الأعمال... وهو ما لم ينعكس على الميزانية.

ترشيد لا تصفير

في الحقيقة أن الهدر لا يتمثل في البنود ذاتها، والتي لا تخلو جهة حكومية من حاجة ما إليها، وبالتالي ليس المطلوب «تصفير» مصروفات أي بند، بل إعادة تقييم الصرف، فلا يعقل أن يتضاعف مثلا بند قرطاسية وأدوات مكتبية خلال 4 سنوات، في وقت تتحدث فيه أجهزة الدولة عن التحول إلى النظم الالكترونية أو أن تنفق الدولة مئات الملايين على المؤتمرات والرحلات والضيافة والتدريب والمهمات... إلخ، في ظل جائحة كورونا، أو أن تكون البنود غامضة تفتح أبواب التأويل والتشكيك في وقت يدّعي راسمو السياسات الحكومية حاجتهم إلى إجراءات اقتصادية وتمويلية لا تحظى بكثير من تأييد الرأي العام، مما يستوجب معالجة هذه الثغرات وغيرها في الميزانية؛ لبناء الحد الأدنى من الثقة، قبل الشروع في البدائل والخطط الحكومية، لسد العجز في الميزانية كالضرائب والاستدانة.

محمد البغلي