صدمة وغضب داخل إيران بعد اغتيال فخري زاده... والنظام يدرس رداً يجنّبه خسائر إضافية

• خامنئي يتعهد بالثأر وروحاني يدعو إلى عدم الوقوع في الفخ... وتبادل اتهامات بعد الخرق الأمني الفاضح
• إسرائيل تشدد أمن سفاراتها وواشنطن تعيد «نيمتز» للخليج وترامب يُهدّد بدمار إذا قُتل أميركي

نشر في 29-11-2020
آخر تحديث 29-11-2020 | 00:05
في توقيت حرج، تلقت إيران صفعة أمنية باغتيال أحد كبار علمائها النوويين العسكريين قرب طهران، في عملية اعتبرها مراقبون خرقاً كبيراً. ووسط تبادل اتهامات بين الأجهزة وأطراف النظام، باتت الكرة في ملعب طهران التي تعهدت بالثار.
لا تزال إيران تحت وقع الصدمة بعد الخرق الأمني الكبير الذي تعرضت له باغتيال أبرز علمائها النوويين محسن فخري زاده، قبل أيام من الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الجنرال قاسم سليماني أبرز قادتها العسكريين، ووسط تقارير منذ أسابيع عن احتمال شن أميركا أو إسرائيل ضربة عسكرية ضدها لتصعيب مهمة الرئيس الديمقراطي المقبل جو بايدن في الانفتاح على طهران والعودة إلى الاتفاق النووي.

وكما درجت العادة، تقاسم أركان النظام الإيراني الأدوار في محاولة لاستيعاب الموقف بعد اغتيال العالم النووي الأول في البلاد والمعني بالدفاعات الصاروخية والأسلحة الحديثة فخري زاده، بينما عكفت دوائر القرار على دراسة وتصميم رد وفق 3 معايير: أولاً، يجنب النظام خسائر إضافية، وثانياً، يحفظ ماء الوجه، وثالثاً، لا يتسبب بحرب إقليمية شاملة قد تكون تبعاتها أقسى بكثير من مجرد اغتيال عالم.

ففي وقت اتهم الرئيس الإيراني حسن روحاني إسرائيل بالوقوف خلف اغتيال فخري زاده، والسعي لإثارة «فوضى» في المنطقة قبل أسابيع من تولي بايدن رئاسة الولايات المتحدة، مؤكداً أن بلاده لن تقع في «الفخ»، قال المرشد الأعلى علي خامنئي، ان «الرد حتمي»، بينما أطلق جنرالات «الحرس الثوري» التهديدات الآيديولوجية عالية السقف مثل قائد «فليق القدس» إسماعيل قآني الذي اعتبر أن «عملية الاغتيال تُقرّب من نهاية إسرائيل».

وفي حين شدد روحاني على رد «في الوقت المناسب»، أكد المرشد الأعلى ضرورة «معاقبة» المسؤولين عن الاغتيال ومواصلة نشاطات فخري زاده.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: «الأمة الإيرانية أذكى من أن تقع في فخ المؤامرة الذي نصبه الصهاينة. هم يفكّرون بخلق فوضى، لكن عليهم أن يدركوا أننا كشفنا ألاعيبهم ولن ينجحوا في تحقيق أهدافهم الخبيثة». وحذّر «أعداء» إيران من أن بلاده ومسؤوليها «أكثر شجاعة من أن يتركوا هذا العمل الإجرامي من دون رد. في الوقت المناسب، سيردون على هذه الجريمة».

ورأى روحاني أن إسرائيل أدّت دور «العميلة» في الاغتيال لـ«الاستكبار العالمي»، وهي عبارة عادة ما يستخدمها المسؤولون الإيرانيون للإشارة الى الولايات المتحدة.

وألمح في كلمته خلال اجتماع للهيئة الوطنية لمكافحة «كوفيد 19»، إلى وجود رابط بين توقيت الاغتيال وقرب تسلّم بايدن مهامه. وقال: «هذا الاغتيال الهمجي يظهر أن أعداءنا يمرون بأسابيع عصيبة، يشعرون خلالها بأن فترة ضغطهم تتراجع، والوضع الدولي يتبدل». ورأى أن «أعداء إيران يريدون الاستفادة لأقصى حد (...) من الأسابيع المتبقية بهدف خلق وضع غير مستقر في المنطقة».

وقال في بيان نشره موقع الرئاسة «مرة أخرى، تلطخت أيدي الاستكبار العالمي وعميله الكيان الصهيوني بدم أحد من أولاد إيران»، معتبراً أن وفاة العالم البالغ من العمر 59 عاماً تشكل «خسارة فادحة».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلت أمس الأول، عن مسؤول أميركي ومسؤولَين استخباريين أن إسرائيل «تقف خلف الهجوم».

خامنئي

وأشاد خامنئي بفخري زاده. وجاء في بيان نشره موقع الإلكتروني «استشهد عالم من علماء بلادنا البارزين والممتازين في المجالين النووي والدفاعي، السيد محسن فخري زاده، على أيدي العملاء المجرمين والأشقياء».

وأضاف: «يجب على جميع المسؤولين أن يضعوا قضيّتين مهمّتين بجدّية على جدول أعمالهم. القضيّة الأولى تتمثّل في متابعة هذه الجريمة والمعاقبة الحتميّة لمنفّذيها ومن أعطوا الأوامر لارتكابها، والأخرى هي مواصلة جهود الشهيد العلميّة والتقنيّة في المجالات كافة التي كان يعمل عليها».

وفخري زاده مقرب من المرشد الذي حصّن منصبه في وزارة الدفاع بغض النظر عن الحكومة التي تتسلم السلطة وبعيداً عن سلطة وزير الدفاع.

القوات المسلحة

وتوعّد رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء محمد حسين باقري أمس، بالانتقام. وقال: «على المجموعات الإرهابية والقادة ومنفذي هذا العمل الجبان، أن يدركوا أن انتقاماً قاسياً ينتظرهم».

واتهم قائد فليق القدس التابع للحرس الثوري إسماعيل قآني، إسرائيل بأنها تقف وراء العملية. وقال «إن العدو لا يتجرأ على خوض حرب كالرجال مع إيران ولكن نهاية إسرائيل قد اقتربت».

واعتبر أن «هذا الاغتيال هو آخر المحاولات اليائسة للمتغطرسين واللصوص الدول».

وكتب حسين دهقان المستشار العسكري لخامنئي على «تويتر» أمس، «سنضرب مثل البرق قتلة هذا الشهيد وسنجعلهم يندمون على فعلتهم». وأضاف: «في الأيام الأخيرة من الحياة السياسية لحليفهم (ترامب) يسعى الصهاينة إلى تكثيف الضغط على إيران وإشعال فتيل حرب شاملة».

ودهقان هو أول من أعلن قبل أيام ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو، وسط مخاوف من أن يقبض الحرس الثوري والعسكر على كافة مفاصل السلطة. وتوقّع مراقبون أن يساهم اغتيال فخري زاده بتعزيز حظوظ دهقان.

خرق مهين

وشكلت طبيعة العملية اختراقاً كبيراً لأجهزة الأمن الايرانية. فقد نفذها مسلحون في وضح النهار تمكنوا من زرع قنبلة ناسفة واستهداف إحدى سيارات الموكب الذي يبدو أن الاتصالات تعطلت فيه من خلال معدات متطورة. وبعد تقارير عن إصابة أحد المهاجمين، تراجعت السلطات عن هذا النبأ ليتبين أن المهاجمين تمكنوا من الفرار. ومن المفترض أن الأجهزة الأمنية الإيرانية هي على درجة عالية من التأهب وهي تعلم أن البرنامج النووي بكل أقسامه بما في ذلك العلماء قد يكونون أهدافاً.

وأفاد تقرير محلي بأن المهاجمين تمكّنوا من إصابة فخري زاده، الذي نقل في البداية بسيارة إسعاف، لكنهم عادوا وهاجموا سيارة الإسعاف للتأكد من مقتله قبل أن ينقل بمروحية تابعة للحرس الثوري إلى المستشفى.

وأعلنت وزارة الدفاع الإيرانية، أمس الأول، وفاة فخري زاده متأثرا بجروحه بعيد استهدافه من قبل «عناصر إرهابية». وأوضحت أنه أصيب «بجروح خطيرة بعد استهداف سيارته من مهاجمين اشتبكوا بالرصاص مع مرافقيه، واستشهد في المستشفى رغم محاولات إنعاشه».

ووقعت العملية في مدينة أبسرد بمقاطعة دماوند شرق طهران على مسافة 90 دقيقة من طهران.

ويعدّ زاده من أبرز العلماء الإيرانيين في مجاله، وكان يشغل منصب رئيس إدارة منظمة الأبحاث والإبداع في وزارة الدفاع.

وأدرجت وزارة الخارجية الأميركية اسمه على لائحة العقوبات العام 2008 على خلفية «نشاطات وعمليات ساهمت في تطوير برنامج إيران النووي»، واتهمته اسرائيل سابقاً عبر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بالوقوف خلف برنامج نووي «عسكري» تنفي طهران وجوده.

انتقادات لروحاني وظريف

وكتب محسن رضائي، سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، في رسالة إلى روحاني، أن «استمرار مثل هذه الأعمال يشير إلى ضعف أجهزة المخابرات في البلاد»، مطالباً بإيجاد حل لمثل هذا الضعف.

ووجه القائد السابق في الحرس الثوري حسين علائي، انتقادات لهذا الخرق الأمني الفاضح على الساحة الإيراني، وقال في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية «أكثر من 10 سنوات وإسرائيل تقوم بعمليات داخل إيران، بما في ذلك اغتيال العلماء».

وكان وزير الخارجية محمد جواد ظريف أول من وجه أصابع الاتهام الى إسرائيل، متحدثاً بعيد تأكيد الوفاة عن «مؤشرات جدية» على دور لها ودعا الدول الغربية إلى أن «تنهي معاييرها المزدوجة المخجلة وأن تدين هذا العمل الذي هو إرهاب دولة».

وتعرض ظريف لانتقادات لاذعة من أنصار التيار الأصولي أمس. وتظاهر العشرات أمام وزارة الخارجية مطالبين باستقالته ووقف التعاون مع وكالة الطاقة الذرية التي يتهمونها بتمرير معلومات لواشنطن أو تل أبيب.

في المقابل، يقول أنصار الحكومة، إن التقصير سببه الحرس الثوري المشغول بالملفات السياسية الخاصة بالمنطقة والتي يصادرها من وزارة الخارجية بدل الاهتمام بأمن النظام.

الصحف

واحتل نبأ الاغتيال صدارة الصفحات الأولى لأغلبية الصحف الإيرانية، وسط مقاربات متفاوتة لجهة كيفية التعامل مع تبعاته. وكتبت «كيهان» المحافظة «العين بالعين: استعدوا أيها الصهاينة»، معتبرة أنهم «أظهروا مراراً أنهم لا يفهمون إلا لغة القوة». من جهتها، رأت صحيفة «ارمان ملي» الإصلاحية في مقالة بعنوان «فخ التوتر»، أن على إيران «التصرف بيقظة أكبر من ذي قبل (...) لئلا تقع في فخ الخطوات الشديدة التوتر».

«نيمتز» تعود

إلى ذلك، حرّكت وزارة الدفاع الأميركية حاملة الطائرات «يو إس إس نيميتز» USS Nimitz إلى منطقة الخليج مع سفن حربية أخرى. وقالت البحرية الاميركية، أمس، إن هذا ليس له صلة بأي تهديد معين وان قرار إعادة حاملة الطائرات إلى الخليج اتخذ قبل اغتيال محسن فخري زاده.

وكانت «نيمتز» غادرت منطقة الخليج قبل أسبوعين للمشاركة في مناورات، لكن يبدو أنها عادت منذ يوم الأربعاء الماضي.

وقالت الكوماندر ريبيكا ريباريتش، المتحدثة باسم الأسطول الخامس الأميركي ومقره البحرين، في بيان بعد نشر الحاملة يوم الأربعاء: «لا توجد تهديدات معينة دفعت لعودة المجموعة القتالية للحاملة نيميتز». وأضافت أن إعادة النشر متصل بخفض عدد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان. وتابعت: «هذا الفعل يضمن أن لدينا قدرة كافية للرد على أي تهديد وردع أي خصم عن التحرك ضد قواتنا خلال خفض القوات».

ترامب يتوعد

إلى ذلك، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول رفيع، أن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب أبلغ مستشاريه أنه مستعد لإصدار أوامر بردٍ مدمر إذا قُتل أي أميركي في هجمات منسوبة إلى إيران بالعراق. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن المسؤولين نصحوا ترامب بعدم توجيه ضربةٍ استباقية لإيران، لكنه أبلغهم أن مقتل أي أميركي خط أحمر من شأنه أن يؤدي إلى انتقام فوري وساحق.

إجراءات مشددة

وأفادت وسائل إعلام عبرية بأن البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في مختلف أنحاء العالم رفعت مستوى التأهب الأمني، على خلفية اغتيال العالم الإيراني.

وأكدت القناة الـ12، أن «السفارات الإسرائيلية في العالم في مستوى الحالة القصوى من التأهب الأمني، تحسباً لانتقام محتمل».

كما أشارت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في الجاليات اليهودية بمختلف الدول.

دولياً

إلى ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى ضبط النفس. كما حضّت ألمانيا، الأقرب إلى طهران في الاتحاد الأوروبي، جميع الأطراف على ضبط النفس وتجنب تصعيد التوتر بما قد يُخرج أي محادثات حول برنامج إيران النووي عن مسارها.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، «قبل أسابيع قليلة من تسلم الإدارة الأميركية الجديدة مهامها، من الضروري الحفاظ على مساحة الحديث مع إيران بما يسمح بتسوية الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني من خلال التفاوض».

وتابع: «لذا نحث كل الأطراف على الامتناع عن اتخاذ أي خطوات يمكن أن تؤدي إلى تصعيد الوضع أكثر».

العلماء... خاصرة رخوة للبرنامج النووي

حسب التقارير الغربية، نجحت إيران في إخفاء أجزاء كبيرة من برنامجها النووي، سواء عبر اخفاء الاجهزة الحديثة في منشآت تحت الأرض أم من خلال تحصين المواقع النووية المعروفة وتجزئة البرنامج الى عمليات صغيرة لعرقلة تعقبها، والعمل تحت ستارات مختلفة للتضليل، لكن يبدو أن العلماء وهم العنصر الاساسي في البرنامج النووي، هم الحلقة الأضعف او الخاصرة الرخوة للبرنامج النووي الذي تطوره إيران منذ ما قبل الثورة الإسلامية.

وفي هذا السياق، لم يكن عالم الذرة الإيراني محسن فخري زاده، الذي اغتيل قرب طهران أمس الأول، أول عالم ذرة إيراني يقتل بهذا الشكل في السنوات الأخيرة.

ففي عام 2010، قتل العالم النووي مسعود علي محمدي بتفجير قنبلة عن بعد في طهران.

وبحسب مصادر غربية فإن علي محمدي كان يعمل بشكل وثيق مع فخري زاده ومع فريدون عباسي-دواني، وكلاهما خضع لعقوبات من الأمم المتحدة بسبب عملهما في أنشطة يشتبه بأنها تهدف إلى تطوير أسلحة نووية.

وفي العام نفسه لقي العالم النووي مجيد شهرياري مصرعه في انفجار سيارة مفخخة في العاصمة الإيرانية.

وقال رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، وقتها إن شهرياري كان له دور في أحد أكبر المشروعات النووية في البلاد دون أن يفصح عن المزيد.

وفي اليوم نفسه نجا رئيس قسم الفيزياء في جامعة الإمام الحسين عباسي-دواني الذي فرضت الأمم المتحدة عقوبات لمشاركته في أبحاث مشتبهة لتطوير أسلحة نووية.

وفي 2011، لقي أستاذ الفيزياء الإيراني داريوش رضائي مصرعه رميا بالرصاص في عملية اغتيال نفذها مهاجمون مسلحون شرقي طهران. ونفت ايران أن يكون على صلة بالبرنامج النووي.

اما في 2012، فقد لقي المهندس الكيماوي أحمدي روشن (32 عاما) مصرعه في انفجار قنبلة لاصقة في سيارته وضعها راكب دراجة نارية في طهران. وقالت السلطات الإيرانية إن القتيل كان عالما نوويا أشرف على قسم في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم.

back to top