وثيقة لها تاريخ: النوخذة عيسى بشارة قضى أكثر من ثلاثين عاماً في قيادة السفن الشراعية

توفي في نهاية شهر يوليو الماضي النوخذة عيسى بن يعقوب بن معيوف بشارة، وهو آخر نواخذة السفر الشراعي في الكويت. وبوفاته أسدل التاريخ الستار على النواخذة الذين مارسوا مهنة التجارة البحرية باستخدام السفن الشراعية مع الهند بشكل أساسي، ومع موانئ كثيرة داخل الخليج العربي وخارجه.

هذه التجارة كانت هي السبيل الأساسي لأهل الكويت للحصول على ضروريات الحياة من مأكولات ومواد ضرورية ليست متوفرة في الكويت البسيطة الفقيرة في ذلك الوقت. النوخذة عيسى، رحمه الله، وُلد في فريج غنيم عام 1919م لأسرة كويتية استقرت في الكويت منذ أكثر من 250 سنة، واشتهرت هذه الأسرة الكريمة بممارستها للسفر الشراعي أباً عن جد منذ استقرارها، فوالد النوخذة عيسى يعقوب نوخذة سفر، وجده معيوف نوخذة سفر أيضاً، وكانت لهم سفنهم الخاصة بهم، إضافة إلى قيادتهم سفناً أخرى في بعض الأحيان.

ويقول العم أبوأحمد (النوخذة عيسى) في إحدى المقابلات الصحافية القديمة إنه بدأ ركوب البحر عندما كان عمره 10 سنوات وذلك في عام 1929 مع والده في سفينة ملك والده اسمها "سهيل"، واستمر في السنوات اللاحقة في السفر والتدرب على يد والده عدة سنوات، ثم ركب البحر مساعداً للنوخذة حسن الربيعة في "بوم" ملك التاجر أحمد الخرافي، وبعدها مع النوخذة عبدالله العثمان كمساعد له (معلم).

رافق النوخذة عيسى جده في طرشة (رحلة) إلى الهند على "بوم" جديدة ملك التاجر أحمد الخرافي، وأصبح بعدها بفترة قصيرة نوخذة على نفس البوم واسمه "الناصر" في مكان جده وذلك في عام 1938 وعمره أقل من عشرين عاماً. وفي العام الذي يليه تولى قيادة البوم "سردال" ملك أحمد الخرافي، واستمر في قيادة نفس السفينة عدة سنوات، ثم عمل نوخذة على سفينة ملك التاجر يوسف المرزوق.

تولى كذلك قيادة سفينة أخرى اسمها "نايف" ملك التاجر محمد ثنيان الغانم، وبعدها سفينة اسمها "فتح الخير" ملك الغانم أيضاً. كما اشترى لنفسه سفينة أسماها "أنور" وسافر عليها في رحلات عديدة حتى عام 1958.

لقد مارس النوخذة عيسى قيادة السفن حوالي ثلاثين عاماً، وسافر إلى الهند وإفريقيا ناقلاً بضائع وعائداً ببضائع، وكان مثالاً للأمانة والهمة والاجتهاد في عمله، وكان الله معه إذ لم تتعرض السفن التي قادها للغرق أو الضرر البالغ مما يدل على مهارته الفائقة في الملاحة البحرية.

وقد روى بنفسه في أكثر من لقاء تلفزيوني أنه سقط في إحدى الليالي في البحر بإحدى الرحلات وظل يصارع الموت ساعات طويلة إلى أن منّ الله عليه بالنجاة. وأذكر أنه زارنا في ديوان اللوغاني بمنطقة الشعب قبل عدة سنوات لتقديم واجب العزاء، والتقى العم عيسى المجرن اللوغاني الذي كان يعمل بحاراً معه في نفس السفينة، وساهم العم عيسى في إنقاذ النوخذة عيسى من الغرق والموت مع بحارة آخرين، والتقطنا لهما معاً صورة تذكارية.

رحم الله النوخذة عيسى يعقوب بشارة، ونسأل الله أن يجعل مثواه الجنة، ونرجو من الجهات المسؤولة في الدولة تخليد ذكراه بإطلاق اسمه على شارع في منطقة من المناطق السكنية أسوة بما فعلته مع نواخذة آخرين ممن ساهموا في نهضة الكويت وخدمة أهلها.