إضعاف «التحريات المالية»... إهمال حكومي أم تخريب متعمد؟!

كلما اتسعت دائرة عمليات غسل الأموال المثارة، مؤخراً، في الكويت، كقضايا مشاهير السوشيال ميديا، إلى القبض على شبكة محلية متخصصة في غسل الأموال، صعودا الى القضية الأكبر ذات الارتباطات الدولية، كقضية الصندوق السيادي الماليزي MDB1، سُلط الضوء أكثر على الخلل الجسيم في منظومة وحدة التحريات المالية، باعتبارها الجهة المختصة قانوناً بمكافحة هذا النوع من العمليات المالية المشبوهة.

فحسب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013 ولائحته التنفيذية، وقرار مجلس الوزراء في تحديد الاختصاصات؛ فإن وحدة التحريات المالية الكويتية لها شخصية اعتبارية مستقلة، وهي الجهة المسؤولة عن تلقي وطلب وتحليل وإحالة المعلومات المتعلقة بما يُشتبه أن يكون عائدات متحصلة من جريمة أو أموال مرتبطة أو لها علاقة بها، أو يمكن استعمالها للقيام بعمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب، كما أن لها اختصاصات تنفيذية وميدانية أوسع، من خلال عملها كـ"استخبارات مالية"، منها تلقي بلاغات البنوك المحلية أو الأجنبية العاملة في الكويت بأي عمليات مالية مشبوهة، وتلقى الإخطارات والمعلومات المتعلقة والقيام بتحليلها.

حقوق الوحدة واختصاصات «المركزي»

كما أن للوحدة حق طلب أي معلومات من المؤسسات، سواء كانت مالية أو غير مالية، ولها حق الحصول من أجهزة الدولة على أي معلومات تراها ضرورية لأداء مهامها، بل يتعين على أجهزة الدولة تلبية طلبات الوحدة في هذا الشأن دون تأخير، كما تعتمد الوحدة التقرير التحليلي لتقييم الإخطارات التي تتلقاها سنوياً، واتجاهات غسل الأموال وتمويل الإرهاب والإحصاءات، والذي يتم نشره بصفة سنوية، وهي الجهة المكلفة بالحفاظ على نزاهة القطاع المصرفي والمالي بالكويت وحمايته من جريمة غسل الأموال والجرائم الأصلية المرتبطة بها وتمويل الإرهاب، وذلك من خلال الالتزام بالمعايير الدولية والتعاون الفعال مع الجهات المختصة.

أما اختصاصات بنك الكويت المركزي تجاه عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب فمعظمها إشرافية او تنظيمية تتعلق بإصدار التعليمات إلى الجهات الخاضعة لرقابته، وتحديد ما يتعين عليها اتخاذه من إجراءات، والتأكد من ذلك عبر الفحص الميداني، فضلا عن تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في حال وقوع أي مخالفة.

«طوفة هبيطة»

ما ورد أعلاه معظمه صادر بنص القانون، ومثلما يتضح، قد وضعت النصوص بحيث اختصت معظم الصلاحيات بيد وحدة التحريات المالية، كنوع من التخصص ولرفع درجة التركيز والمهنية لدى الوحدة، كي تتفرغ لاعمالها، غير أن واقع الحال في وحدة التحريات المالية يثير الشكوك بأن ما يحدث فيها أو تجاهها أبعد من مجرد إهمال إداري، ويتعداه إلى فعل متعمد لتخريب أعمال هذه الجهة -وحدة التحريات- وتعطيل أعمالها وجعلها واجهة أو "ديكور"، أو حتى "طوفة هبيطة"، لتمرير عمليات غسل الأموال وغيرها من العمليات المالية المشبوهة.

استقالة الرئيس

فوحدة التحريات، التي استقال رئيسها باسل الهارون في أبريل 2018، لا يزال منصبه بالأصالة شاغرا، منذ ذلك الوقت، مما قد يفتح المجال لضغط أصحاب النفوذ على قياداتها بالإنابة، الى جانب ان الوحدة تعاني اصلاً قلة عدد الموظفين، مما يترتب عليه عدم قدرتهم على مجاراة وتغطية مئات البلاغات من البنوك، منذ سنوات، ومعروف عن هذه البلاغات ذات شبهات غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أنها ليست جرائم عادية، بل ذات طبيعة معقدة وتحتاج الى جهد عالٍ من التعقب والبحث والربط بين العناصر وتفكيكها، وهذا كله يحتاج الى عدد موظفين ربما يصل الى 3 أضعاف العدد الحالي، فضلاً عن أن موظفي الوحدة محرومون من التدريب والدورات التخصصية والمؤتمرات، وهذا كله يؤدي إلى ضعف مهنية الوحدة وقدراتها على متابعة الحجم المتصاعد من العمليات المالية المشبوهة.

أرقام ضئيلة

على صعيد الأرقام، فإن الحساب الختامي لوحدة التحريات المالية 2018-2019 فقط يشير إلى أن الوحدة تلقت 1036 إخطاراً عن جرائم غسل أموال، وأحالت 38 حالة فقط للنيابة العامة، وطلبت متابعة وزارة الداخلية لـ72 حالة، أي أنها بالمجموع النهائي بتت 110 حالات فقط بنسبة 10.6 في المئة من البلاغات المقدمة أمامها، في حين لاحظ ديوان المحاسبة عدم تفعيل دور مكتب التفتيش والتدقيق في وحدة التحريات المالية، بالمخالفة لقرار مجلس الوزراء.

مسؤولية مجلس الوزراء

ما يحدث في الوحدة يتجاوز الإهمال الإداري المعتاد في الكويت، الى الشكوك المنطقية بوجود تخريب متعمد لشل قدرات الوحدة، وهذه الشكوك لن يبددها إلا خطوات تنفيذية من مجلس الوزراء؛ أولا تعيين رئيس جديد للوحدة يتصف بالنزاهة والكفاءة والمهنية، والقوة بما يعيد ثقة الناس بالمؤسسة بعيداً عن أي ضغوطات او حسابات او ترضيات سياسية حفلت بها تعيينات عدد من القياديين بالدولة، فضلاً عن محاسبة المقصرين سياسيا وفنيا في تدهور أوضاع الوحدة خلال السنوات الماضية والعمل على قلب المعادلة لتطوير الأداء ودعم التوسع في مراقبة العمليات المشبوهة، لأن التقاعس في مثل هذه الامور سينعكس سلبا على الكويت وسمعتها واقتصادها، ويجعلها بيئة خطيرة لكل العمليات المالية المشبوهة.