مخاطر استخلاص دروس مغلوطة من الصين

  • 27-07-2020

ينتشر المعادون للصين في كل مكان من واشنطن اليوم، إذ يُركّز عدد كبير منهم على انتهاكات الصين الأخيرة والواضحة في مجالات الاقتصاد والسياسة الخارجية وحقوق الإنسان والصحة العامة، لكن لا يوجّه معظمهم أصابع الاتهام إلى بكين فقط، بل إلى صانعي السياسة الأميركية منذ عقود، ويهاجم سياسيون وخبراء ومستشارون رئاسيون من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي القانون الأميركي الذي صدر في عام 2000 ومنح الصين "علاقات تجارية عادية دائمة" وانتساب الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001، كما ينتقدون تنامي نفوذ الصين وظاهرة "الصدمة الصينية" الشهيرة، أي زيادة الواردات الصينية التي أدت بين العامين 1999 و2011 إلى تدمير نحو 2.4 مليون وظيفة أميركية، لكنهم يستعملون هذا "الخطأ" لتبرير التحولات الكبرى في السياسة الأميركية الخارجية والاقتصادية، بما في ذلك الانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وبما أن الأميركيين أساؤوا فهم الصين لهذه الدرجة، يتكلم النقاد عن ضرورة التخلي عن المواقف الأميركية التقليدية بشأن بكين والاتفاقيات التجارية والمقاربات الصناعية وسياسة العمل والتواصل الدولي ككل.

يتجاهل الهوس الراهن بانتساب الصين إلى منظمة التجارة العالمية مجموعة واسعة من الإخفاقات في السياسة الأميركية، كتلك التي سمحت لبكين بزيادة قوتها أو ساهمت في إيذاء الشركات والعمال في الولايات المتحدة، فالإدارات الأميركية المتعاقبة لم تتابع عدداً كبيراً من الخلافات في منظمة التجارة العالمية رداً على الانتهاكات التجارية الصينية، مع أن قواعد التجارة العالمية تنظّم عوامل مؤثرة أساسية، على غرار الإعانات الصناعية والملكية الفكرية، وقد تبيّن أيضاً أن الإجراءات القضائية العدائية سمحت بكبح التجاوزات الصينية.

وتبرز إخفاقات أخرى في السياسات الأميركية، منها انسحاب الولايات المتحدة من الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، علماً أن هذه المعاهدة صُمّمت جزئياً للتصدي للطموحات الصينية الاقتصادية والجيوسياسية، كذلك، فشلت الولايات المتحدة في إصلاح الضرائب والتجارة وسياسات الهجرة التي تعوق القدرة التنافسية العالمية للشركات الأميركية، وفشلت أيضاً في تحديث المساعدات التجارية وبرامج إعادة تدريب العمال التي تهدف إلى تقليص العوائق التجارية أو التكنولوجية أو الثقافية، حتى أنها تابعت فرض الضرائب والسياسات الشائبة في مجالات التعليم والترخيص المهني والعدالة الجنائية وتقسيم المناطق وسياسات أخرى تجعل العاملين الأميركيين غير مستعدين لخوض المنافسة في الاقتصاد العالمي أو تمنع إقرار التعديلات وخطط التعافي عند وقوع أي اضطرابات.

هذه السياسات كلها تستحق النقد والنقاش، لكنها لا تتعلق فعلياً بقرارات تمرير قانون "علاقات التجارة العادية الدائمة" أو السماح للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية أو "تطبيع" العلاقات التجارية مع بكين، ولا شك أن لوم الصين على هذه الإخفاقات يريح المسؤولين عنها وداعميها السياسيين ويعفيهم من الإصلاحات المطلوبة، لكنّ هذا الوضع يجازف أيضاً بطرح أجوبة خاطئة في المسائل الثقافية والاقتصادية والجيوسياسية المعقدة.

هذه "الأجوبة" التي تزداد شيوعاً مع مرور الأيام هي التي تفسّر أهمية مراجعة أحداث الماضي بدقة (يُجمِع الخبراء على انتهاء ظاهرة "الصدمة الصينية" منذ سنوات)، ويُعتبر تنامي نفوذ الصين والعلاقات القائمة بين البلدين من أكثر المسائل الجيوسياسية إلحاحاً في هذا الجيل، وتستحق ارتكابات الحزب الشيوعي (انتهاك حقوق الإنسان، سياسة توسعية لكسب الأراضي، تجاوزات في مجال الصحة العالمية، تقلبات اقتصادية) موقفاً صارماً من الجانب الأميركي، كما تُعتبر التحولات الكبرى في سوق العمل والاضطرابات الثقافية التي قَلَبت حياة عدد كبير من العائلات والجماعات الأميركية مهمة ومؤثرة بالقدر نفسه، لكن يجب أن تخضع الحلول المقترحة لمعالجة هذه المشاكل لتحليل موضوعي بدل اعتبارها خطوات أساسية لتصحيح "الأخطاء" المرتبطة بقانون "علاقات التجارة العادية الدائمة" والروابط الاقتصادية مع الصين عموماً، فهذا النهج يُجرّد تلك الخطط من التدقيق الذي تستحقه وقد يُمهّد لنشوء حُكْم سيئ يرتكز على تطبيق سياسة حمائية متشددة وعداء للمهاجرين في أنحاء الولايات المتحدة، وتأجيج الصراعات المسلحة، وتجاهل الأخطاء السياسية السابقة، وإعاقة الإجماع السياسي على حلول سياسية فاعلة للتحديات القائمة، لا سيما تلك التي تطرحها الصين.

* سكوت لينسيكوم

* «ريزون»