الكويت... دُرّة

  • 26-07-2020

أول العمود:

يكتمل نجاح الإجراءات الصحية في مواجهة وباء كورونا بعدم الضيق من الرأي الطبي الناقد.

***

رَصَدت العديد من المؤلفات التي تابعت الانتعاش الثقافي في كويت قبل الاستقلال شكل ذلك الحراك الذي كان قد سار بتوازن بين الجهد الأهلي والرسمي وتحديداً في حقبتي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وصولاً إلى عام الاستقلال عام ١٩٦١.

لقد توافرت في تلك الفترة عوامل أساسية لازدهار الثقافة، فرسمياً: كان دعم الحُكام والقياديين في دوائر الحكومة المعنية كبيرا وواضحا، وتأثير عدد من الوجهاء، والضرائب المالية الموجهة للتعليم، وتدفق البعثات التعليمية، وأهليا: تم إنشاء النوادي الأدبية، وإصدار الصحف والمجلات واستيراد الصحف العربية، ورواج المكتبات الخاصة والاهتمام بالمسرح المدرسي، وبروز بوادر المسرح الجاد الذي أعطى وهجا للكويت بعد الاستقلال.

أردت من هذه الكلمات المختصرة أن أضع على الميزان أهمية الثقافة في خلق وجه مختلف للدولة، خصوصا أن الحديث عن التقدم والتنمية قد أفل في البلاد خلال العقود الأربعة الفائتة لعوامل سياسية واجتماعية ظالمة، بالإهمال تارة، والهجوم وتدمير ما زرعناه قبل الاستقلال وقبل النفط تارة أخرى.

اليوم لم يعد الشأن الثقافي كما كان قبيل الاستقلال وبعده بسنوات قليلة، والسبب أننا اليوم غارقون في عملية تنظيف فاشلة للفساد بشتى أنواعه، وتحولت الدولة اليوم كضامن لـ"العيش" لا "الحياة"، واختفى الحديث عن التنمية، وكنتيجة ضعف الاهتمام بالثقافة التي هي جوهر قوة الدول الصغيرة، وهذه حقيقة والتي منحتنا تسمية الكويت "درّة الخليج" قبل ٤٠ عاماً.

يدور حديث خجول في الكويت عن مشروع الحرير، وهو مشروع يتخطى حدود الدولة ويؤثر في الإقليم، ويشكل فرصة سانحة لإعادة لقب "الجوهرة" بشرط أن يضع الثقافة بمفهومها الواسع كجزء من توجهاته، بمعنى أن يعيد لجزيرة فيلكا روحها اليوناني القديم، ويستحضر أحداث وقصص علاقات كياننا الصغير مع الرُقَع الحضارية المحيطة بنا في العراق وإيران والجزيرة العربية والهند، ويعيد إنتاج أحداث التاريخ في شكل مسرحيات وعروض فنية تتخطى النغمة الوطنية المنكفئة الضيقة، فالكويت كيان منفتح أساساً على عكس ما تريد بعض الأصوات النشاز تغيير وجهها الذي تبلور في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

الكويت في خطر حقيقي ليس بسبب انخفاض دخل النفط، أو التوترات الإقليمية رغم أهميتهما، بل بسبب إضاعة الهوية التي تأسست في العقدين المذكورين، وفي ظني لو تمت استعادة هذه الهوية ووضعها في خطط تنمية حقيقية لتوافرت لها عوامل قوة وتحصين سياسي وثقافي واقتصادي بشكل نقترب فيه من الهروب بنجاح من حقبة تنظيف قاذورات الفساد إلى حقبة حضارية تنموية تنفتح على العالم يراعى فيها التعايش مع متغيرات مقبلة لا ترحم المتخاذلين.

هناك مثال سهل الفهم للتدليل على أصول العمل المدروس الذي جرى سابقاً لخدمة فكرة الوطن وتقويته، فكل الأعمال المسرحية والغنائية والجهود الثقافية التي تمت قبل عقود تُعَد اليوم أيقونات لا نزال نشاهدها ونسمعها ونتحدث عنها، هذا هو الرصيد الحقيقي للدول والذي يجب أن يكون في صلب مشروع الحرير بجانب أساساته الاقتصادية.

هذه المتغيرات بدأت مع تأثيرات وباء كورونا الذي لا شك أنه سيتسبب في تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية مُستحقة نجهل تفاصيلها اليوم.