احتراف جمع التبرعات

  • 05-07-2020

لم أقل العمل الخيري لأن مهنة جمع التبرعات لم تعد للعمل الخيري، أي مساعدة المحتاجين، إنما تعددت أغراضه وأصبح عملا دوليا دخلت فيه كل الاتجاهات والأديان، وتعددت المصالح المستفيدة منه، فتجاوز الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وأولي القربى، وأصبحت له مؤسسات دولية ترعى وتتابع وتستثمر وتوجه أموال «الخيرات» والزكوات والصدقات وأموال المتهربين من الضرائب لتصب في حسابات منظمات يافطاتها خيرية، وحسابات نصابين ومنظمات إرهابية وأحزاب دينية وسياسية، ومولت بأموال الخير حروب وجرائم وبرعاية دول كبرى غذت الحروب الطائفية، وضغطت على الحكومات المارقة وغير المنضبطة بأموال يصعب تتبعها ولا تندرج في ميزانيات حروب هذه الدول.

فما يسمى «العمل الخيري» سواء عند المسلمين السنّة والشيعة أو عند المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت وغيرهم أو عند اليهود أو أي أديان أو منظمات لها طابع ديني أصبحت تقوده منظمات ومؤسسات ضخمة جمعت أموالا لا تقدر ولا تحصى، وأي متتبع لأنشطة الكنائس والمعابد والمساجد في كل أنحاء العالم سيفاجأ بقوة وضخامة هذا العمل وخطورة دوره بين الأمم، فأموال الكنيسة المسيحية والمعابد اليهودية والمراجع الدينية والأحزاب الإسلامية العربية وغير العربية لا تعد ولا تحصى، وقد تضخمت أرصدة هؤلاء وهؤلاء في حين ما زال الفقر المدقع يتزايد في كل أنحاء العالم، ولا نسمع بأي محاولة لسد جوع ملايين البشر أو توفير فرص العيش الكريم لهم.

ولو حاولنا معرفة أين تذهب أموال التبرعات والزكوات والخُمس المفروض على الشيعة وأموال الأوقاف السنية والشيعية في الكويت فإننا سنقف حائرين، لأننا لن نعرف أبدا حقيقة مجال صرف هذه الأموال، وما إذا كانت قد ذهبيت إلى عمل خيري أو عمل شريف.

أموال الإخوان المسلمين والسلف والحسينيات والمراجع تتزايد لكن أين تذهب؟ ومن يدلنا على المستفيد منها؟ طبعا سنجد أمثلة منشورة لأعمال خيرية في بلدان فقيرة، ومعها كم من الدعاية فاقت تكلفته قيمة هذه الأعمال، لكن أين تذهب بقية الأموال؟ ولماذا نسمع عن مليارات الإخوان والسلف والمراجع الشيعية ولا نسمع عن توزيعاتها على مستحقيها؟ من موّل «القاعدة» و«داعش» و«الحشد الشعبي» و«حزب الله» وغيرها من منظمات سياسية طائفية؟

قبل فترة ظهر مسؤول ديني في الحشد الشعبي العراقي على قناة «العراقية» يشكر الوقف الشيعي الكويتي على بناء 150 شقة للحشد، وكان أحد قادة السلف الكويتي يفاخر برجاله وسلاحه المقاتل في سورية في حين تنقل تركيا الإخوان وتسلح وتدعم «داعش» في العراق وسورية والآن في ليبيا، وكل هؤلاء يقومون بهذه الجهود «الخيرة» تحت نظر وسمع ودعم المخابرات المحلية والأجنبية، وسكوت تام من الحكومات العربية والإسلامية المعنية رغم ما يدعيه الجميع أن كل شيء تحت الرقابة والتدقيق من كل هذه الأطراف.

الأموال التي تجمع لم يذهب غالبها إلى الفقراء والمحتاجين الذين جمعت باسمهم ولهم، إنما وزع اليسير لذر الرماد في العيون وذهبت الأموال إلى حسابات الأحزاب وحسابات الحروب، وإننا في الكويت نساهم في هذه الأعمال لثقتنا بالقائمين عليها، ولكن التجارب أثبتت أن بعض الكويتيين القائمين على جمع التبرعات هم وسطاء، بعضهم يأخذ الحصة «الشرعية» ثم تسلم الأموال إلى منظمة أم لا أحد في الكويت يعرف تماما مصيرها، وبعضها نراه في قنوات تلفزيونية ومجلات وجرائد ونفقات انتخابات خاصة بالتنظيم أو في معسكرات تدريب أو سلاح يخرج عند الحاجة لقتال طائفي، أو للاستيلاء على الحكم في البلد الذي أعدوا فيه أعوانهم.

الحل الأمثل أن يقوم الفرد بتوصيل تبرعه لمن يريد لهم الخير بنفسه دون وسيط، فلا ندخل الكسل والتواكل في عمل طيب حتى نضمن أن الخير ذهب إلى من يستحق سواء داخل الكويت أو خارجها، ونضمن بذلك تجفيف منابع الإرهاب.