ماذا بعد كورونا؟!

يقف العالم اليوم أمام حالة استثنائية لم يَشهد لها مثيلاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فالتهديد الذي يواجهه العالم هو تهديد عام وشامل، وسوف يترك أثراً لا محالة حتى على الناجين من غائلته، فالمواجهة اليوم ليست مع فيروس يريد أن يتغول على الحياة الإنسانية فحسب، ولكن المواجهة أعمق وأشمل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي سوف تتركها هذه المواجهة مع الوباء، فالاقتصادات المهيمنة على العالم اليوم، كالصين واليابان والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، هذه كلها ارتفعت فيها نسب البطالة وعانت اقتصاداتها انكماشاً، وأطلت بوادر التوتر الاجتماعي برأسها بسبب تلك الضغوط الاقتصادية، ونحن في الكويت نعتمد اعتماداً رئيسياً على مصدر واحد وحيد لتمويل ميزانيتها وهو النفط، الذي بدوره يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة الاقتصادية لتلك الأمم، لذا فإننا أمام مرحلة خطيرة واستثنائية في تاريخ الكويت، وللأسف الشديد، فإننا ككويتيين، من إدارة تنفيذية ومجلس تشريعي، لم نوفق إطلاقاً في إدارة سنوات الوفرة المالية الطويلة جداً، والتي امتدت من سبعينيات القرن الماضي حتى بدايات الأزمة المالية العالمية في 2007.

إشكالية الكويت خطيرة جداً، ومنبع خطورتها أن الكويت لا تتمتع بعمق جغرافي كاف يتيح التنقيب عن ثروات معدنية أخرى عدا النفط، ولا تتيح قيام صناعات ثقيلة، ولا تتيح عمليات استصلاح زراعي واسع، ولا تملك تصوراً واضحاً لكيفية استيعاب خريجي الجامعات والمعاهد وعددهم بالآلاف سنوياً، ولا تملك تصوراً واضحاً لكيفية سد العجز في ميزانية الدولة على المدى الطويل فيما لو بقيت أسعار النفط أقل مما هو مطلوب ومتوقع، ولا تملك خطة واضحة للإجابة عن سؤال: "وماذا بعد النفط؟"، وأغلب خططها التنموية حتى كتابة هذه السطور إما قد تأخرت أو لم تساهم بأية فائدة حقيقية لتخفيف العبء عن ميزانية الدولة، وكأن كل هذه العوامل لم تكن كافية، فإذا الكويت تجد نفسها في الوسط تماماً بين محيط متصارع إلى حدود الشراسة وعليها التعامل مع سياسات خارجية غير قابلة للتنبؤ بها حتى على المدى القصير، أي أننا باختصار أمام إشكالية خطيرة... فما الحل؟ وماذا بعد كورونا؟

في البداية وقبل كل شيء، لابد لنا من الإقرار بأن هناك ممانعة شعبية واسعة ترفض أن تصدق أن الحالة المالية للكويت في وضع خطير، يُغذي هذه الممانعة تيار سياسي ونيابي شعبوي كان، ولا يزال، يعتمد على موارد الدولة المالية والخدماتية لزيادة نفوذه السياسي والشعبي... تاريخياً هذا التيار السياسي الشعبوي كان هو المسؤول المباشر عن إجهاض مشاريع تنموية وإيقاع غرامات مالية باهظة على الدولة، فضلاً عن ممانعة ترشيد الإنفاق ووقف الهدر المالي المبالغ فيه والتنفيع الفئوي في التعيينات والتدخل المباشر في إرساء المشاريع الحكومية، فلابد لنا في البداية من مواجهة هذا التيار من خلال مخاطبة الشعب الكويتي مباشرة بالحقائق وتفنيد كل الحجج والآراء التي تحاول أن تموه على حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي الحقيقي للدولة، فلا وجود لحلول واقعية من دون شفافية متناهية يتشارك الجميع فيها، حكومة وشعباً، لتقدير الظرف الراهن والمستقبلي، ولابد لنا أن نوضح للشعب أن "المعارضة" السياسية لا تعني أن تقول "لا" للحكومة، ولكنها تعني بالضرورة تقديم مشاريع تنموية بديلة وواقعية لما تقدمه الحكومة لحل الإشكاليات المتعددة، المعارضة ليست "حالة إنكار"، ولكنها "حلول بديلة" ترى فيها المعارضة نموذجاً أفضل للدولة، لأنها استمرارية للأجيال القادمة، وللشعب، لأنه الحاضر الذي سوف يبنى لتلك الأجيال، وفي رأيي المتواضع فإن أصعب العقبات في الحالة الكويتية هي تلك المواجهة مع التيار السياسي الشعبوي الذي استهلك من أموال ومقدرات الشعب الكويتي الكثير جداً وسوف يصر على حالة الإنكار هذه، ولكنها خطوة أساسية وضرورية إذا أردنا البداية بحلول عملية وواقعية للخروج من كوارث اقتصادية قادمة.

إلا أن الشرح والتوضيح وحدهما لا يكفيان، إذ إن الثقة الشعبية لا تمنح بمجرد الكلام، ولكنها تبنى فقط إذا اقتنع الشعب بأن محاربة الفساد أصبحت حقيقة واقعة في الدولة بكل محاورها وبدون استثناء، ولكن الفساد كلمة عامة تحتاج إلى تأطير دقيق وشامل، الفساد ليس ممارسة تجارية فقط، ولا ممارسة حكومية فقط، ولكنه أيضاً ممارسة نيابية وشعبوية، هذه المحاور الثلاثة هي إشكالية الكويت مع الفساد، ولابد من مواجهتها معاً وبصورة شاملة، فليس منح قسائم صناعية أو زراعية أو لتربية المواشي بدون وجه حق أقل ضرراً على الدولة والشعب من توسط نيابي لتعيينات في مراكز قيادية بدون وجه حق، بل الثانية أعظم ضررا من الأولى، فعندما تمنح قسيمة بدون وجه حق بإمكانك استردادها مباشرة، أما الفرص الضائعة والقرارات الخاطئة وإهدار الوقت والجهد والمال فكيف تستردها؟ كل أوجه الفساد، التجارية والحكومية والنيابية، يجب أن تكون تحت المجهر وبكل وضوح وشفافية أمام الشعب الكويتي، بهذا، وبهذا فقط، نستطيع أن نكسب ثقة الكويتيين بالقرارات الإصلاحية التي تحاول أن تعبر بالكويت إلى مرحلة أمل بمستقبل مستقر.

الكويت بحاجة إلى موارد مالية إضافية وبحاجة أيضاً إلى خلق فرص عمل للكويتيين، فالحالة الراهنة تقول بكل وضوح إنه في المدى القصير سوف تعجز الدولة تماماً عن استيعاب كل خريجي الجامعات والمعاهد في الوظائف الحكومية، وسوف تعجز خزينة الدولة، في المدى القصير أو المتوسط، عن سداد التزاماتها المالية كاملة برواتبها ودعومها وخدماتها، وبالتالي لابد من حلول واقعية وعملية بعيدة عن المزايدات السياسية والانتخابية وأوهام "كل شيء على ما يرام"، والخطوة الأولى هي الالتفات إلى الداخل، وتحديد أوجه الهدر في أملاك الدولة، فلا يُعقل إطلاقاً، اليوم وفي الحالة الراهنة، السكوت والرضا عن تأجير قسائم الدولة بالباطن بمئات الأضعاف لما تتسلمه الدولة كإيجار لها، ومن غير المعقول، اليوم وفي الحالة الراهنة، القبول والرضا بتقسيم القسائم الزراعية أو قسائم تربية المواشي ثم المتاجرة بها بيعاً وشراءً بعشرات أو مئات الآلاف، ويجب على الدولة أن تلتفت إلى السواحل الجنوبية والشمالية والجزر الكويتية والاستثمار فيها، من خلال مشاريع تنموية على غرار كل دول المنطقة وبلا استثناء، هذا الاستثمار في تلك السواحل سوف يخلق فرص عمل للشباب الكويتيين بالآلاف، وسوف يدر إيرادات إضافية لخزينة الدولة، وسوف يشجع على قيام نشاط سياحي تنشط معه الأسواق والتجارة، ويجب أيضاً الالتفات إلى موانئنا وتشجيع نشاط النقل والترانزيت وسرعة إنجاز ميناء مبارك وتشغيله، وفتح قنوات التجارة الحرة مع كل دول المنطقة، ويجب على الدولة أن تصر في كل مشاريعها المستقبلية الضخمة داخل الكويت على توظيف ما لا يقل عن ثلث العمالة الماهرة التي تحتاجها تلك المشاريع من الكويتيين مع تحديد حد أدنى للأجور لهم، بحيث لا يقل عما يتقاضاه هؤلاء فيما لو كانوا موظفين للدولة، إلا أن هذا كله لا يكفي أيضا لاستيعاب كل قوة العمل الكويتية التي تتزايد سنوياً، كما أن تلك الإيرادات الإضافية لا تكفي أيضاً لسد العجز في الموازنة، وهي ليست حلولاً شاملة في ذاتها، فلابد لنا من التفكير في السؤال الأهم وهو: وماذا بعد النفط؟

ولابد لنا هنا من الإشارة والتأكيد، وقبل الإجابة عن هذا السؤال، على أن العديد من الأفكار والمشاريع والتصورات الإصلاحية والاقتصادية والتنموية التي بادر بها العديد من رجالات الدولة والوزراء والمواطنين عبر السنوات الماضية والتي كانت ستساهم في حلول جوهرية للإشكاليات المستقبلية في الكويت قد اصطدمت، وللأسف، بعوائق متعددة مما أفقدها الأثر المطلوب منها، تلك المبادرات والخطوات كلها، الحكومية منها والشعبية، عانت إما ممانعات تشريعية وانتخابية وسياسية، أو تعارض مصالح، أو إشكالات الثقافة الريعية التي ترفض أن تقر بأنه لا مستقبل من دون ترشيد الحاضر واستثمار الفائض في مشاريع تنموية حقيقية، فلابد لنا من وقفة جادة مع تلك العوائق التي أجهضت تلك الخطوات والمبادرات الإصلاحية، الحكومية منها والشعبية، فمن دون تلك الوقفة المباشرة والصريحة والجادة لا أمل حقيقياً بترجمة أي حلول ناجعة على أرض الواقع، فالبداية يجب أن تكون من خلال تذليل تلك العوائق بصورة نهائية لتمهيد الأرضية المناسبة لبلورة أي خطط ومشاريع تنموية وإصلاحية قادمة. نعود الآن إلى السؤال: وماذا بعد النفط؟ ماذا لو بقيت أسعار النفط لمدة طويلة، الآن أو مستقبلاً، تحت الحد الأدنى للموازنة؟

الجواب في تصوري المتواضع، يكمن في النموذج السنغافوري، تلك المدينة التي تتشابه مع الكويت في نواحٍ متعددة، والتي اليوم، من دون نفط أو موارد طبيعية، تنافس أغنى دول العالم النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، النموذج السنغافوري هو نموذج شامل، وطويل الأمد، ويبدأ بمراجعة شاملة لمناهج التعليم لخدمة الهدف التنموي النهائي للدولة، وينتهي مع سيادة صارمة للقانون على الجميع، بحيث لا يقبل حتى بشبهة بعيدة للفساد أو التكسب غير المشروع مع الحفاظ، الذي لا يقبل المساومة، على مصالح الدولة وممتلكاتها، وهذا النموذج يحتاج إلى إصرار، إلى مواجهات، إلى عمل، إلى طاقات، إلى كفاءات في مكانها الصحيح، إلى عمليات تقييم وتنقيح متواصلة، وإلى مساندة سياسية متواصلة لا تفتر، هو نموذج طويل الأمد ولكنه يضمن استقرار الدولة والمواطن الكويتي.

* د. جنان محسن بوشهري وزيرة الأشغال وشؤون الإسكان السابقة .