إنها الإدارة

تتأثر موارد الكويت في المستقبل تبعاً لتغيرات لا قدرة لها على التحكم فيها، فعلى المدى القصير، سيتوقف حجم التأثر على المدى الزمني، الذي سوف تستغرقه جائحة كورونا حتى تنحسر، ومن ثم حجم تداعياتها على أداء الاقتصاد العالمي وضغوطها على سوق النفط، وكان أول مؤشراتها حريق السيولة. وعلى المدى الطويل، رهنت الكويت نفسها باعتماد بلغ حد الإدمان على بيع خام النفط، وعصرُ النفط بكامله يتعرض للانحسار لمبررات بيئية وتطورات تكنولوجية سوف تضعف جانب الطلب، ليعكس ضغطاً متصلاً على الأسعار، خلال عقود قليلة قادمة.

وما أعرفه حول مستقبل بلدي، هو أنه سوف يعيش حقبة مختلفة من انحسار في الموارد السهلة، وارتفاع في مستوى الاحتياجات، وسط ظروف أكثر تعقيداً وضغطاً على مستوى العالم، وعلى مستوى الإقليم، وعلى الساحة المحلية.

ما أعرفه أيضاً هو أن المستقبل صناعة لا مجرد تساهيل ظروف تحكمنا ولا قدرة لنا على التحكم فيها. وكفاية الموارد مهمة، لكنها ليست العامل الأهم في تلك الصناعة، تسبقها بكثير قدرة وكفاءة الإدارة، فالدول قد تتخلف نتيجة وفرة الموارد، أو ما يسمى علمياً «لعنة الموارد»، وقد تصنع قدرات البلد الإدارية ما هو في حكم المعجزات بموارد شحيحة، والكويت حتى مع تحقق أسوأ سيناريوهات الأزمة، وبدء انحسار عصر النفط، سيبقى لديها ما يكفي من موارد لتصبح ضارةُ الجائحة نافعةً.

لمحة سريعة على ما فعلته وفرة الموارد وضمور العقل، أو سوء الإدارة، بالكويت، لكي لا نجزع من واقع المستقبل المحدود الموارد، لقد أصبحت الكويت الأسوأ تعليماً والأكثر فساداً، وأتاح شراء الولاءات بوفرة المال سبباً في عرض معظم المحرمات للبيع؛ الجنسية والشهادة العلمية المزورة والإقامة والاتجار بالبشر، ومعظم المناصب الإدارية من الوزير إلى رئيس القسم، ومعظم عضويات مجلس الأمة، وحتى أسماء الشوارع، كل شيء تقريباً متاح في سوق حراج لمن يوالي أكثر. وليتها ولاءات صادقة، إنها ولاءات مدمرة، تعمل كنظام الهواتف مسبقة الدفع، الدعم بمستوى انتفاخ الرصيد والارتقاء في المنصب. حتى قيم المجتمع الحميدة أصبحت معروضة للبيع، ولا بأس بأن يتولى مشبوهٌ برشوةٍ لجانَ التحقيق ولجان حماية المال العام، ولا بأس من أن تتولى تلك اللجانُ أيضاً قيادة طريق الإصلاح، وكلفت مؤخراً بالتحقيق والتحقق من تجار الإقامات.

إنها الإدارة، لا الموارد، من يصنع المستقبل، فالإيرادات العامة في الكويت، لا في غيرها، لم تتعدَّ معدل المئة مليون دينار، ما بين بداية الخمسينيات وأواسط الستينيات، ولكنها إدارة تمكنت أن تصبح المثل والقدوة. في ذلك الزمن تعملق العقل وصنع دولة لا مثيل لها في محيطها، من إنجازاته تأسيس أول صندوق سيادي في العالم، وفيها شُيدت مدرسة ثانوية الشويخ بمستوى أفضل الجامعات، ومجمع الصباح الصحي ليغطي خمسين سنة قادمة، وفيها صمم أول وأفضل مخطط هيكلي. وفي عام 1957 مورست عملية متقدمة لإحصاء السكان، مع تنويه في صدر «الكويت اليوم» سابق لزمنه يحث كل من له انتقاد على التواصل مع رقم تلفون أرضي مدون.

ومن الكويت انطلقت معظم المؤسسات العربية، وفي الكويت تأسس صندوق التنمية وهيئة الخليج والجنوب، وساهمت الدولة، من خلالهما، بمواردها الشحيحة في تعمير وتعليم الكثير من جوارها ومحيطها الجغرافي. وخلال تلك الحقبة بدأت الكويت صياغة دستورها ومعه قواعد مشروع الدولة، الذي أعطى للعالم حجة للمساهمة في تحريرها عام 1991، وبحكمة إدارتها وسلامة قراراتها تجاوزت مشروع غزو مماثل في بداية ستينيات القرن الفائت. ولا عجب حين كانت آنذاك منارة الثقافة والفن والرياضة، ذلك التفوق خلق مجتمعاً توحدت كل فئاته الفخورة بوطنها، مقابل حاضر لا يطيق فيه أحد الآخر.

ولا بأس من تبيان الفارق الذي تصنعه الإدارة في نماذج من عالمنا المعاصر، فنحن نشهد حالياً سابقة في تاريخ البشرية المقروء، وهي نشوء قوة عظمى إلى جانب أخرى، من دون حرب، فالصين الجائعة حتى عام 1978، أصبحت قوة عظمى منافسة بالإدارة، وقراءة في رسالة الرئيس كارتر إلى الرئيس ترامب حول حصافة الصين وإخفاق إدارة الولايات المتحدة الأميركية تلخص دور الإدارة.

وفي مواجهة أزمة كورونا الحالية تفوقت 5 دول، وكان العاملُ المشترك بين كل من تايوان ونيوزيلندا وفنلندا وأيسلندا وألمانيا هو تبوُّؤَ نساء ناقصات عقل ودين، في عرف بعضنا، رئاسة حكوماتها، والفارق كان حُسن الإدارة. ونظرة مقارنة ما بين شعب يحمل نفس الجينات، ولكنه يخضع لإدارتين مختلفتين، الأولى هي كوريا الجنوبية التي أصبحت في مصاف الدول المتقدمة، والثانية كوريا الشمالية وشعبها لا يجد قوت يومه. مثال آخر أقرب إلى واقعنا، النرويج صاحبة الاحتياطي النفطي الأدنى، شريك مع أفضل عشر دول في العالم في كل مؤشرات التفوق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والنزاهة والشفافية، والنقيض تماماً حال فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفط في العالم، الفارق بينهما فارق بين البشر، فارق الإدارة.

في الختام، من حقنا أن نغضب، فأوضاعنا الحالية لم تتسبب فيها جائحة كورونا، كل ما فعلته الجائحة هو اختصار بضع سنوات في الطريق للاصطدام بالحائط، ولا يستطيع أي مسؤول أن يدعي عدم علمه بحتمية بلوغ ما بلغناه، ولكنهم فضلوا ديمومة المنصب على ديمومة واستقرار الوطن، وتلك جريمة كبرى.

ما فعلته جائحة كورونا أنها كشفت مبكراً انحراف ومخاطر ضمور عقلنا، وخطر تسليم ذلك العقل إدارة فائض الموارد. لقد اختار لبنان محاصصة إدارته التي هوت بذلك البلد الجميل والشعب المبدع إلى مصاف الدول الفاشلة، وفرضت اللبننة على إدارة الشأن العراقي وهوت بأوضاع ذلك البلد العريق والأغنى موارد، بينما نحن، بوعي أو بدونه، من اختار لبننة إدارتنا، وكشفُ إخفاقاتها ذكرناه سابقاً. وخيارنا بات بين طريقين، زيادة سرعة الاصطدام بالحائط لو منحَنا ارتفاعٌ محتملٌ في أسعار النفط فرصةً لشراء بعض الوقت لنهج الإدارة الحالي، أو جراحة إدارية تعود بالبلد إلى مستوى الخمسينيات، ومعها تصبح ضارةُ الجائحة نافعةً، وحتماً نصبح بلداً أفضل، إنها الإدارة، فهي من يصنع الفارق بين الضياع والارتقاء.

* جاسم السعدون رئيس مجلس إدارة شركة «الشال» للاستشارات الاقتصادية