خرافة النظريات القانونية

  • 12-02-2020

يعترف معظم القانونيين، إن لم يكن جميعهم، بالقيمة المطلقة وحجية النظريات القانونية، بل يذهبون في هذا المضمار إلى اعتبارها من المسلَّمات الثابتة التي لا تقبل الجدل. ومنذ فترة زمنية طويلة، وأنا أتبنى رأيا آخر وأبين أن الاستسلام لما تقرره النظريات القانونية خطأ بالمنطق العقلي؛ فمعطيات نقض هذه النظريات وهدمها كثيرة، بل إن بعض هذه النواقض نابع من تلك النظريات ذاتها، فضلاً عن أن هذه النظريات إما أنها فُرِضت بسلطة التشريع، أو بحجية حكم للقضاء العالي، أو نتاج فهمٍ بلوره مفكر أو فَقِيه معين، ومن ثم فجميع النظريات القانونية في المحصلة النهائية هي نتاج لعقول بشرية أو وليدة ظروف استلزمت وضع قاعدة مرجعية، تحسم جدلاً أو تتجاوز معضلة أو تفرض مسلَّمة لسبب أو آخر.

ولإدراكي كل تلك الاعتبارات ومعرفتي بالعديد من نواقض تلك النظريات، ولإيماني المطلق، في الشأن الإنساني، بعدم وجود المسلمات الثابتة وأن مجال المنطق العقلي والاجتهاد الفكري لا يقيده نطاق ولا يحده أفق، وخصوصا في مجال العلوم الإنسانية، والقانون أحدها، فقد كنت أجادل بصورة مستمرة في ضرورة عدم الاستسلام للنظريات القانونية وتجاوزها، فهي ليست قرآناً ربانياً منزّلاً.

وأجدني اليوم، وبصورة مُلحّة، أكثر تحمسا لطرح هذا الموضوع مجددا، ولكن بنقاش أكثر استفاضة وتفصيلا، من خلال كتاب أعكف على تأليفه، ساعيا إلى بيان "خرافة النظريات القانونية"، وإبراز خطأ المنطق العقلي عند التسليم بها، على الرغم من وجود نواقض لها أو استثناءات توهن حقيقتها المسلَّم بها. وقد سلكت في منهجية هذا الكتاب، مسلكاً منطقياً وعملياً من خلال نقاش عدد محدد من النظريات، وهي عشر نظريات، تمثلت فيما يلي:

١- نظرية فصل السلطات.

٢- نظرية الضرورة.

٣-نظرية السلطة تستتبع المسؤولية.

٤- نظرية أعمال السيادة.

٥- نظرية إقليمية المسؤولية الجزائية.

٦- نظرية الظروف الطارئة.

٧- نظرية العقد الاجتماعي.

٨- نظرية شرعية السلطة.

٩- نظرية الظاهر.

١٠- نظرية دوام سير المرفق العام.

وإخضاع النظريات السابقة للنقاش المفصل والتمحيص الدقيق، وتعقب نواقض تلك النظريات، لاشك أنهما سيبرهنان على متانة بناء هذه النظريات أو وهنها، وعدم سلامة المنطق العقلي بالتسليم بها، وهو ما سيقود تالياً إلى تأكيد أو نفي ما أدعيه بشأن "خرافة النظريات القانونية".

ومن خلال هذا الكتاب، وبعد الدراسة الممعنة لهذه النظريات، سيكون ممكناً الخروج بعدد من الاستنتاجات والاستقراءات التي سترسم صورة متماثلة الأبعاد يُستخلص من خلالها مدى صحة ما يسعى البحث لإثباته أو نفيه، ومن ثم وضع الأسس المنطقية والعقلية التي يمكن معها بيان وهن أي من النظريات القانونية، مع أمل يحدوني أن أنتهي إلى معايير واضحة ونسق علمي منهجي محدد في مجال النقد العلمي لتلك النظريات، إثباتاً أو نفياً لمتانة حقيقتها علمياً، آملاً فتح نقاش واسع بين المختصين وعموم الجمهور لتجاوز محنة الجمود والقوالب المسبقة التي قُيد من خلاها الاجتهاد القانوني في عالمنا العربي تحديداً.