2019 - 2020

  • 02-01-2020

قال لي صاحبي:

السنوات والأشهر والأيام والساعات هي فواصل كاذبة نصنعها لنرتّب الحياة ونمنح أنفسنا وهمَ السيطرة على نهرها البري العنيف. قل لي بالله عليك، ما قيمة الوقوف عند رأس السنة بكل هذا الصخب؟ أليست هذه كلها مظاهر استغلال للخرافة واستثمار لها؟

قلت له بعد أن أخذت برهة للتفكير:

ــ أظنك محقاً، لكن هذه الفواصل الزمنية قد طبعت وعي الناس فأصبحوا جميعا يشعرونها شيئا مجسدا حقيقيا، وأخصّ رأس السنة التي تمثّل حدثا مهما في أرجاء العالم كلها.

ابتسم في زهو وقال:

ــ هذا لا ينفي أنّها خرافة.

سكت قليلا وقد راعتني الفكرة ودفعتني للتفكير في معنى الحقيقة والخرافة، وهل يملك الإنسان خلاصا من الخرافة تماما، حتى مع علمه بأنها ليست حقيقة بالمعنى العلمي المعملي الملموس؟ ولماذا يجب علينا مقاومتها؟ ألا تزيّن الخرافات حياتنا وترطبها وتخلق فيها البهجة والأمل والأمان كذلك؟

استطرد صاحبي حين لم أردّ موغلا في زهوه:

ــ يعني مثلا، ما الفرق بين الدقيقة التي تسبق منتصف الليل في آخر يوم من سنة 2019 والدقيقة التي تأتي بعد دقات منتصف الليل؟ لا شيء، مجرد اتفاق عالمي على وهم كبير.

استمر صمتي، لكنّ فكرة أشرقت في ذهني بعد لحظات من التفكير:

ــ تقسيم الزمن، كما تقول، ينظم الحياة ويضع عليها علامات هي ما نسمّيه التاريخ، ولكن ألا تظن معي أن الاحتفال بنهاية السنة هو وسيلة لمراجعة الذات وفرصة للنظر والتفكّر والتدبر؟

تراجعت نظرة الزهو من عينيه قليلا وهو يسأل:

ــ أية ذات وأية مراجعة؟

ــ الذات بالمعنى الفردي وبالمعنى الجمعي أيضا. ألا تتيح لك شخصيا فكرة العام الجديد فرصة لمراجعة ما حدث لك خلال العام المنقضي؟ ألا يسهم تقسيم العام إلى مرافئ للقدوم وأخرى للرحيل، وبينهما موانئ أخرى للأحداث المبهجة والموجعة، في أن تفهم الحياة نفسها، وأن تراجع نفسك بصورة منتظمة؟

شجعني صمته المتأمل وذهاب لمعة الزهو من عينيه على الاسترسال في الفكرة:

ــ لاحظ معي هذا الاحتفاء برأس السنة، كيف يضع مساحة من الزمن أمام عينيك بإصرار، ويطالب وعيك الراكض خلف متطلبات الحياة أن يأخذ هدنة تشبه استراحة المحارب للتفكر والتدبر فيما فعلتَ وما فعلتْ بك الحياة طوال عام منصرم، وما يمكنك أن تحققه أو تتقيه خلال العام القادم.

بدا في عينيه همّ كبير وقال بصوت عميق:

ــ تخيل أن الثقافة العربية وقفت حقا أمام نفسها للمراجعة والمحاسبة والتفكر في الغد والتخطيط له! تخيل أننا جميعا راجعنا ما يحدث في سورية والعراق واليمن وليبيا والسودان والجزائر، وبحثنا عن الأسباب بصدق وشفافية، ثم حاولنا إيجاد الحلول بواقعية ونزاهة وإنكار للذات!

ابتسمت مربتاً على كتف صاحبي:

ــ ومن قال لك إن هذا لا يحدث، ربما لا يظهر الفرق واضحا بسبب صعوبة التحول والتحرك في واقعنا الإنساني المعقد، لكنّ النهر قطرات تراكمت في النهاية يا صديقي. هناك دوما أمل في وعي الإنسان وقدرته على مراكمة المعرفة والاستجابة للتحديات.

نظر لي صاحبي، ثم نظر إلى ساعته، ثم قال وقد أشرق وجهه:

ــ بقيت ساعة على نهاية 2019 هيا بنا كي لا يفوتنا الاحتفال بمقدم 2020.