فلسطين بين القاصي والداني

  • 25-12-2019

بذلت الحكومة الأميركية جهداً كبيراً لمنع انضمام فلسطين عضواً أممياً مراقباً، ومع ذلك فازت فلسطين بأغلبية ساحقة في 2012. ففلسطين هي الزائر الدائم للأمم المتحدة منذ 1947، حيث تجاوز عدد ما يخصها 79 قراراً. إلا أن الملاحظ خلال العشرين سنة الماضية أن مجمل التصويتات، وبالذات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحظى بتأييد كبير، لمصلحة فلسطين، كما يلاحظ أنه كلما زاد التصويت لمصلحة فلسطين دولياً زاد التشدد الأميركي وزادت العنصرية الإسرائيلية تهوراً.

القرار الأخير، الذي اتخذته رئيسة الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة (أعضاؤها 123 بما في ذلك فلسطين)، يصب في الاتجاه الحقوقي أكثر منه سياسياً. فالكيان الصهيوني تجاوز كل الحدود المقبولة حتى لدى مؤيدي إسرائيل، في زمن صارت المعايير الحقوقية معياراً للتفاهم الدولي، حتى لو كان ذلك على سبيل الاستعراض.

ويفيد بيان بنسودة بأنها متجهة إلى الانتقال للتحقيق دون إذن من الدائرة الأولية للمحكمة، وأنها صارت لديها القناعة المبنية على أدلة بأن هناك جرائم حرب قد ارتكبت، فصارت وثيقة تاريخية تصدر للمرة الأولى.

هناك عدة عقبات أمام تحويل البيان لواقع. فإسرائيل تعترض بأنها ليست عضواً باتفاقية روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية (إسرائيل ومعها أميركا وأغلب الدول العربية اتفقوا على معاداة المحكمة). وبالتالي فهي غير خاضعة لولاية المحكمة، ومنها ما ذكره نتنياهو أن "المحكمة الجنائية الدولية صارت تستخدم كسلاح حرب ضد إسرائيل، وأن البيان غير مقبول لأن الطلب يجب أن يأتي من دولة وفلسطين ليست دولة"، في حين أن القانون الدولي قرر أن الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، ليسوا جزءاً من إسرائيل.

بنسودة تقدمت لقضاة المحكمة بطلب إيضاح رأي المحكمة بهذا الخصوص. والقرار الذي اتخذته، تم التعامل معه ببطء، وروية، إن شئت، جاء بعد طلبات فلسطينية منذ 2015. القيادة الفلسطينية كانت قد تعرضت لضغوط كبيرة لعدم التقدم لعضوية اتفاقية روما، لكن الأمور ساءت لدرجة أنه تم استخدامها كعنصر ضغط. كانت الحجة أن استخدام شكوى في المحكمة الدولية سيؤثر على اتفاقيات أوسلو ومباحثات السلام، أما الآن وبعد التهور والاستهتار العنصري الأميركي والإسرائيلي، لم تعد تلك الحجة مقنعة لأحد، ولا يبدو أن هناك دولة تقتنع بتلك الحجة إلا ربما أميركا وإسرائيل.

لست متفائلاً بمسارات المحكمة، وإمكانية صدور إدانات واضحة، كعادة إخفاقات المنظمة الدولية، لكن مجرد وجود تحرك من هذا النوع سيكون عنصراً هاماً لكشف الوقائع والانتهاكات وجرائم الحرب ضد الفلسطينيين في معركة طويلة الأمد، خاصة حين تأتي من جهات مستقلة وغير مسيسة نسبياً، كما فعلت تقارير المفوضين الدوليين المستقلين وغيرهم.