المقاطع: لا يجوز التراخي في تشكيل الحكومة حتى لا تستمر «تصريف العاجل» فترة غير مقبولة دستورياً

  • 10-12-2019

وقد برزت إثر تلك الحالة، وتعدد الأوامر الأميرية وما أنتجته من آثار، تساؤلات عديدة، لعل أهمها ما طرح علينا وهو الآتي:

في خضم ما يدور حول صدور الأمر الأميري بقبول استقالة الحكومة، والأمر الأميري بتعيين وتكليف سمو الشيخ صباح الخالد رئيساً لمجلس الوزراء وأدائه القسم أمام صاحب السمو الأمير، حفظه الله، وما تتداوله وسائل الإعلام بشأن بعض الآراء الدستورية والقانونية المتعلقة بهذه المسائل، منها:

1- من يرأس حكومة تصريف العاجل من الأمور إذا استوجب الأمر عقد اجتماع لمجلس الوزراء؟

2- هل يستوجب على الحكومة أو أحد أعضائها حضور جلسات مجلس الأمة إذا دعيت؟

الرأي في الموضوع:

حرصاً على تناول الموضوع وفقا للأصول والمبادئ الدستورية والقانونية السليمة في إطار الدراسة العلمية الموضوعية التأصيلية الرصينة، فإن بحثنا للمسائل المطروحة سيكون وفقا للعناوين التالية:

أولا: المسائل الأولية:

بادئ ذي بدء لابد أن نشير إلى عدة مسائل أولية تجد لها أسبقية حتمية على بحث الموضوع محل الدراسة وهي:

1- شاع خطأ لدى الكثيرين –بسبب مسلك غير مهني– بأن الرأي القانوني أو الدستوري يأتي مفصلا على مقاس الممارسة الواقعية التي تنكبت طريق المشروعية ولم تتمسك بأهداب المنظومة القانونية، ولاشك بعدم سلامة ذلك، إذ إن المضي بهذا المسار إنما هو انحراف عن الصراط السوي، الذي يستوجبه المنطق القانوني ويستلزمه الرأي الموضوعي المجرد، أما وضع الآراء أو الأحكام تبعاً للواقع الذي خرج عن قواعد المشروعية –المقررة بنصوص أو تحكمها قواعد أصولية مستقرة– فإن ذلك هو تبرير ساقط، بل هو أحد ضروب «فقه التلفيق» الذي يسلكه وسلكه مفتو السلطة كسبا لرضاها ومواربة لمقاصدها، فيُحرّف الرأي عن جادة الصواب، وتُلوى أعناق النصوص تبريراً لممارسات الواقع التي خلّفْت وضعا غير مشروع، والسير في هذا المسلك تترتب عليه نتائج وخيمة وأكثر سوءاً، فما كان باطلا أو غير مشروع ينسحب أثره على طبيعة العمل وآثاره، ولذلك فإن الواقع غير المشروع حتما تتولد عنه متواليات غير مشروعة ومن شأن البحث عن تبريرها أن يدخل الموضوع إلى دوامة من المتناقضات والتفريط بالمسلمات وهدم القواعد الأصولية للنظام القانوني، وهو ما لا مجال للسماح به أو الإقرار به.

2- إن النظام البرلماني وأصوله ومبادئه وأحكامه، ليس اختراعاً كويتياً، ومن ثم فإن حقيقة فهمه وإدراك أصوله تقتضي أن تتم باستيعاب المقرر في أنظمة مرجعتيه ومن منابعه، وهو ما يجري حكمه لزوماً على النظام البرلماني الكويتي، رغم تطعيمه، ومن أساسيات هذه الأنظمة أن الوزارة تدور وجوداً وعدماً مع وجود رئيس الوزراء سواء كان ذلك بصفته الدائمة أو بوضعه المؤقت، لكونه رئيس تصريف عاجل الأمور، ومتى مازالت تلك الصفة عنه، تزول فوراً عن وزرائه بالتبعية. وهذا هو المنطق القانوني لتلازم التبعية، فلا يقبل أن يفصل الرأس عن الجسد ويتم الادعاء أن الجسد مازال حيّا ونابضا، إذ إن ذُلك هو فقه فوضى السلطة الذي ساد علمنا العربي بكل أسف، كما تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء، وفقاً لمتطلبات نصوص الدستور وتنظيمه، ينبغي أن يكون من الشعب، نظرا لما هو معروف من أن تعيين أبناء الأسرة الحاكمة كوزراء هو استثناء، وأن يكون بعدد محدود، وهو ما يعني عدم جواز توليهم لرئاسة الوزراء باعتبار أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع بتفسيره.

3- ان صفة رئيس مجلس الوزراء السابق كرئيس مكلف هو وحكومته بتصريف عاجل الأمور، قد زالت وانتهت بعد تعيينه هو مرة أخرى كرئيس للوزراء من جديد، وذلك بعد ٤ أيام من تاريخ قبول استقالته، أي في 18/ 11/ 2019 عملا بحكم المادة 129 من الدستور لكونه هو خلفا لنفسه، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن تجتمع صفتان متناقضتان في الشخص ذاته، بمعنى أن يكون هو رئيس الوزراء القديم المسند له تصريف عاجل الأمور، ويكون في الوقت ذاته هو رئيس مجلس الوزراء الجديد، بل إن تعيينه من جديد بأمر أميري، بعد إجراء المشاورات التقليدية وفقا للمادة 56 من الدستور، تستلزم حتما إنهاء وجوده هو ووزراؤه بصفة حكومة تصريف عاجل الأمور.

من يرأس «تصريف الأعمال»؟

يجيب المقاطع عن التساؤل بشأن «من يرأس حكومة تصريف العاجل من الأمور إذا استوجب الأمر عقد اجتماع لمجلس الوزراء» يكون جوابنا عليه وفقاً لكل ما سبق هو عدم وجود حكومة تصريف عاجل من الأمور بعد أن تم تعيين رئيس وزراء جديد، فقد انتهى وجود حكومة تصريف عاجل الأمور إثر تعيين رئيس وزراء جديد عملاً بحكم المادة (56) من الدستور، حيث إن وجود الرئيس الجديد لمجلس الوزراء ينهي وجود رئيس وزراء تصريف العاجل من الأمور وجميع وزرائه، ومن ثم فإنه لا وجود لحكومة تصريف عاجل الأمور بعد أن يتم تعيين رئيس وزراء جديد، وذلك انصياعا لحكم المادة (103) من الدستور ومبادئ النظام البرلماني سابق الإشارة إليها، فبتعيين الخلف ينتهي وجود السلف، أي رئيس الوزراء المصرّف لعاجل الأمور ووزرائه كافة. وعليه، فإنه لا وجود لمجلس وزراء بعد تعيين رئيس الوزراء الجديد، فإن استلزم الأمر إصدار مرسوم عاجل لمقتضيات طارئة غير قابلة للتأجيل فيكون ذلك من رئيس الوزراء الجديد إلى جوار الأمير عملا بحكم المادة (55) من الدستور وما قررته المذكرة التفسيرية في بيان أن المراسيم تحمل توقيع الأمير ورئيس الوزراء حتى تكون صحيحة قانونا.

رئيس الوزراء

4- إن نص المادة (103) من الدستور الكويتي، التي يجري حكمها بما يلي: «اذا تخلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب يستمر في تصريف العاجل من شؤون منصبه إلى حين تعيين خلفه. تضع مبدأ دستوريا ألا وهو أن رئيس الوزراء الذي يتخلى عن منصبه أو الوزير الذي يتخلى عن منصبه أياً كانت الأسباب يستمر في تصريف عاجل الأمور، ومن ثم فإن سند وأساس تصريف عاجل الأمور مستمدّ من المادة (103) من الدستور، وعليه، فإن ورودها ضمن مرسوم قبول استقالة الحكومة أو أحد الوزراء، لا يعدو أن يكون نصاً كاشفاً للحكم الذي جاءت به المادة (103) من الدستور ولا يعتبر منشئاً لهذه الحالة، وعليه، فإن إيراد تصريف عاجل الأمور بمرسوم استقالة الوزارة أو الوزير ليس هو السند الذي يتم اتخاذه أساسا لاستمرار تصريف عاجل الأمور بالنسبة لرئيس الوزراء أو للوزير، إنما السند هو نص المادة (103) من الدستور، ويترتب على ذلك أثر لازم ومتمم لتصريف عاجل الأمور، وهو أن المدى الزمني للقيام بهذه المهمة هو بتعيين الخلف، كما تشير إلى ذلك صراحة المادة (103) من الدستور في عجزها، وهذا الحكم يسري على الفرد سواء كان وزيراً أو رئيساً لمجلس الوزراء، ولا محل إطلاقا لليّ عنق هذا النص بالقول إن الخلف لمجلس الوزراء كمؤسسة كاملة، وذلك لعدم سلامة هذا الفهم إذ إن لا صراحة النص ولا دلالته تسعف على هذا الفهم إطلاقا، وهو المستفاد من عبارة «لحين تعيين خلفه»، فالخلف هنا هو شخص طبيعي وليس اعتباريا، وهو المستفاد من صحيح المعنى اللغوي والمنطقي معاً لمعنى الخلف. وعليه ينتهي وجود حكومة تصريف عاجل الأمور بتعيين رئيس وزراء جديد، إذ إنه هو الخلف الذي يجب بتعيينه وجود رئيس الوزراء السابق الذي كان يتولى تصريف عاجل الأمور وتنتهي معه بالتبعية صفة وزرائه أيضا الذين يتولون تصريف عاجل الأمور أيضا.

5- إن المدة الزمنية لتشكيل الحكومة لا يجوز أن تمتد زمنيا أكثر مما قررته المادة (87) من الدستور، والتي أشارت إلى أنها في غضون أسبوعين من تاريخ انتهاء الانتخابات العامة، ولا شك في أن هذه المدة تعتبر أساسا يُبنى عليه أيضا في تعيين المدة التي تُشكّل خلالها الحكومة أثناء وجود البرلمان ألا وهي أسبوعان، باعتبار أن ذلك من مقتضيات عدم تغييب السلطة التنفيذية عن الحياة السياسية أكثر مما أوردته المادة (87)، وحتى لا يكون التراخي في تشكيل الحكومة لفترة تبعد عن الأسبوعين فترة كبيرة، مما يترتب عليه تعطيل عمل الحكومة من جهة وتعطيل عمل البرلمان من جهة أخرى، بحسبان أن فترة التشكيل ينبغي أن تتم بأسرع وقت ممكن حتى لا تستمر حكومة تصريف العاجل من الأمور لفترة غير مقبولة دستورا وعقلا، بسبب التراخي في تشكيل الحكومة الجديدة.

ثانيا: المبادئ والنصوص الدستورية الحاكمة للموضوع

1- من المبادئ المستقرة في الأنظمة البرلمانية قاطبة، وعلى رأسها النظام البريطاني، هو أن مصير الوزارة مرتبط بمصير رئيس الوزراء وجودا وعدما، بحسبان أن رئيس الوزراء هو الذي يعين أعضاء حكومته، وهو الذي يقيلهم أو يعفيهم، وهو ما تكون معه لرئيس الدولة ملكا كان أو أميرا حق المصادقة أو الموافقة على تعيينهم حسب الأحوال، لكونهم قد تم تقديمهم لرئيس الدولة من قبل رئيس الوزراء الذي يملك سلطة الاختيار أو الترشيح الأساسية للوزراء، وهو المبدأ الذي اعتنقه الدستور الكويتي وسار عليه بطبيعته البرلمانية.

2- أما النصوص الدستورية الحاكمة للموضوع فهي:

أ‌- المادة 56 من الدستور والتي تقرر «يعين الأمير رئيس مجلس الوزراء بعد المشاورات التقليدية ويعفيه من منصبه، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بناء على ترشيح رئيس مجلس الوزراء، ويكون تعيين الوزراء من أعضاء مجلس الأمة ومن غيرهم» ولا يزيد عدد الوزراء جميعاً عن ثلث عدد أعضاء مجلس الأمة».

ب‌- المادة 5٧ من الدستور تقضي بـ»يعاد تشكيل الوزارة على النحو المبين بالمادة السابقة عند بدء كل فصل تشريعي لمجلس الأمة».

ت‌- المادة 103 من الدستور تنص على «اذا تخلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب يستمر في تصريف العاجل من شؤون منصبه إلى حين تعيين خلفه».

ث‌- المادة 126 من الدستور تستلزم ما يلي «قبل أن يتولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم يؤدون أمام الأمير اليمين المنصوص عليها في المادة 91 من هذا الدستور».

ج‌- المادة 126 من الدستور تشير إلى أن «يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسة جلسات المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة».

ح‌- المادة 129 من الدستور تقرر أن «استقالة رئيس مجلس الوزراء أو إعفاءه من منصبه تتضمن استقالة سائر الوزراء أو الإعفاء من مناصبهم».

3- كما أوردت المذكرة التفسيرية المكملة لأحكام الدستور، والتي لها قيمة تماثل منزلة الدستور، عددا من الأمور المتصلة بالموضوع وهي:

أ‌- «... فإن أمكن اجتياز هذه العقبات جميعا وصدر قرار المجلس بعدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء لم يترتب على ذلك تنحيه (والوزراء بالتالي) عن الوزارة كما هو مقرر بالنسبة للوزير».

ب‌- بناء على هذه المادة يكون تعيين الوزراء وعزلهم بمرسوم أميري، وذلك على خلاف تعيين رئيس مجلس الوزراء وعزله كما سبق.

ت‌- «تنحي الوزارة وتشكيل وزارة جديدة -ولو كان أعضاؤها كلهم أو بعضهم أعضاء بالوزارة السابقة- أمر توجبه الأصول البرلمانية التي تذهب في هذا الشأن إلى أبعد من ذلك المدى، إذ تقرر أن الوزارة الجديدة لا يستقر بها المقام – أو لا تعين أصلا تعيينا نهائيا – إلا بعد الحصول على ثقة المجلس النيابي الجديد، وهذا أمر منطقي، لأن تجديد الانتخاب معناه التعرف على الجديد من رأي الأمة».

ثالثا: الرأي في شأن الموضوع:

في ضوء كل ما تقدم، وعلى هدي الأسس البرلمانية ومبادئها وما قررته النصوص الدستورية في النظام الكويتي، يمكن لنا أن نخلص إلى ما يلي:

1- ان منصب رئيس مجلس الوزراء هو حجر الزاوية في النظام البرلماني، ووجوده هو أصل وجود أعضاء وزارته، فهو من يرشّحهم ويوافق على تعيينهم ضمن فريقه ولا يملك رئيس الدولة ملكاً كان أو أميراً ان يفرض عليه – دون توافق – أن يعيّنهم أو يعزلهم أو يعفيهم دون أن يكون له رأي حاسم في هذا الأمر، وهذا هو المستقر في النظام البريطاني والذي نشأ في كنفه النظام البرلماني، ومن ثم فإن مصير الوزراء يرتبط وجوداً وعدماً مع مصير رئيسهم سواء كان بوضع دائم، لكونه رئيساً للوزراء، أو بوضع مؤقت بصفته رئيس وزراء تم تكليفه بتصريف عاجل الأمور، ففي جميع الأحوال مصيرهم كوزراء ينتهي بنهاية وجود رئيسهم، ولا يصح أن يستمر أي منهم في منصبه بعد أن ينتهي وجود رئيس الوزراء بأي صفة كان، دائماً أو مؤقتا.

2- ان الدستور الكويتي قد تبنّى المبادئ البرلمانية الخاصة بموقع ودور رئيس مجلس الوزراء بصورة تامة، ومن ثم فإن مبادئ النظام البرلماني الأصلية انعكست على الدستور الكويتي ونطقت به نصوص المواد (56، 57، 103، 129)، والتي يُستخلص من مجملها ومن منطوق نصوصها إلى أن بقاء الوزراء في مناصبهم مرتبط وجودا وعدما بوجود رئيس الوزراء، فإن زالت عنه صفته فإن ذلك يعني حتماً وبالتبعية زوال صفتهم وعدم امكانية استمرار بقائهم في مناصبهم، وأن هذا الأمر يجري حكمه بالنسبة لرئيس الوزراء حينما يكون دائما ويستقيل ويترك منصبه، تماما كما يسري في حق رئيس وزراء تصريف عاجل الأمور، حينما يستقيل ويستمر في تصريف الأمور العاجلة وفقاً لما قررته المادة (103) من الدستور.

قبول الاستقالة

3- ان نص المادة (103) من الدستور والتي تقرر «إذا تخلّى رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب يستمر في تصريف العاجل من شؤون منصبه لحين تعيين خلفه» تبيّن بشكل جليّ فكرة جوهرية ألا وهي أن رئيس الوزراء أو الوزير الذي يتخلى عن منصبه لأي سبب من الأسباب، يستمر في تصريف عاجل أمور هذا المنصب بحكم الدستور، ولا يغيّر في هذا الشأن ما يرد دائما في مراسيم قبول استقالة الوزارة من النص على استمرارهم في تصريف عاجل الأمور، ذلك أن ورود مثل هذا النص في مرسوم قبول الاستقالة لا يعدو أن يكون قراراً كاشفاً لحكم النص الدستوري الذي تقرره المادة (103) من الدستور، وهو ما يعني أن رئيس الوزراء والوزراء مكلفون بالاستمرار بأداء عاجل الأمور بحكم الدستور، سواء ذُكر في مرسوم قبول الاستقالة ذلك أو لم يُذكر، لكون ما يرد في المرسوم كما أشرنا لا يعدو أن يكون قراراً كاشفاً لهذه الحقيقة، والحكم الذي قرره الدستور هو مصدر وسند تلك الاستمرارية المؤقتة.

كما يكشف نص المادة (103) عن حقيقة أخرى، ألا وهي أن المدى الزمني الذي يمكن أن يستمر فيه رئيس الوزراء والوزراء في تصريف عاجل الأمور هو إلى حين تعيين خلفه، فإذا عُيّن خلفه انتهى وجوده ولم يعد هناك مجال لأن يقوم بممارسة أي من أعمال منصبه لأنه قد انتهى وجوده بتعيين ذلك الخلف. ولا بد أن نشير هنا، على وجه الخصوص، إلى أنه إذا تم تعيين خلف لرئيس مجلس الوزراء، فإن وجود رئيس مجلس الوزراء السابق الذي يتولى تصريف عاجل الأمور يكون قد انتهى، ويترتب على ذلك حتماً ولزوماً وفقاً لحكم المادة (129) من الدستور انتهاء وجود كل الوزراء الذين يقومون بتصريف عاجل الأمور أيضا، ولا يصحّ أن يقال غير ذلك لما في هذا الادعاء من نقض لمبادئ النظام البرلماني في الأنظمة التي نشأ في كنفها، ونقض للنظام البرلماني الكويتي أيضا، وخروج على صريح نصوص الدستور الكويتي التي نطقت بمبادئ النظام البرلماني المشار إليها وخصوصا المادتين (103 و129) التي تكمّل كل منهما الأخرى إلى جوار بقية النصوص الدستورية المشار إليها في (ثانيا) من هذه الدراسة.

حكم «الدستورية»

4- ان وجود الوزراء من عدمه مرتبط برئيسهم أيضا من المبادئ التي قررتها المحكمة الدستورية الكويتية في حكمها رقم (20) لسنة 2012 الصادر في 20 يونيو 2012، حينما أشارت في هذا الحكم إلى عدم جواز قيام رئيس الوزراء الجديد بأن يجتمع بأشخاص كانوا وزراء مكلفين بتصريف عاجل الأمور باعتبار أن صفتهم قد زالت ولم يعد لهم وجود بانتهاء صفة رئيسهم المكلف بعد أن تم تعيين رئيس وزراء جديد، وفي هذا الشأن تقول المحكمة الدستورية بالحكم المذكور ما يلي: «إن حلّ مجلس 2009 قد استند إلى المادة (107) من الدستور وبناءً على طلب وزارة زايلتها هذه الصفة بقبول الأمير استقالتها بكاملها، وذلك بعد أن تم تعيين رئيس وزراء جديد وتكليفه بترشيح أعضاء الوزارة الجديدة وصدور مرسوم بتشكيلها، حيث استبق رئيس مجلس الوزراء بصفته وقبل تأليف حكومته باستعارة وزراء من الحكومة المستقيلة لأخذ موافقتهم على هذا الحل»، ومن هذا الحكم يتضح لنا أن المحكمة قد جاءت مؤكدة على عدم صحة هذا الإجراء من الوجهة الشكلية ومخالفاً لروح الدستور منتهية في هذا الصدد الى أن هذا الحل جاء مشوباً بالبطلان، ويضحي هو والعدم سواء، فالمحكمة تصف مشاركة وزراء زالت صفتهم ضمن أي عمل حكومي بأنه ينحدر بهذا العمل إلى العمل المادي المنعدم، الذي لا يكتسب أية قيمة قانونية ولا ينتج أي أثر.

5- ان الفقه الدستوري الكويتي على توافق في شأن أن الوزراء يرتبط وجودهم وجوداً وعدماً برئيس مجلس الوزراء، عملاً بحكم المادة (129) من الدستور التي جسّدت المبدأ البرلماني الخاص بربط مصير الوزراء برئيسهم، وفي هذا الشأن يقول الدكتور عثمان عبدالملك الصالح ما يلي: «إلا أنه في الواقع رئيسهم السياسي الذي يمثّل حجر الزاوية في الحكومة البرلمانية، فهو (رئيس الوزراء) الذي يختارهم وهم يعرفون أن بقاءهم في مناصبهم الوزارية رهن تعاونهم معه، ومدى رضائه عنهم، وعلى عاتقه يقع تحقيق الانسجام بين نشاطات الوزارات المختلفة، وهو الذي يمثل السياسة العامة للحكومة، وهو الذي يفترض به أن يدافع عن سياسة الحكومة الداخلية والخارجية أمام البرلمان، وهو الذي يتكلم باسم الحكومة، وإعفاؤه من منصبه يعني إعفاء الوزارة كلها وإقالتها، كما يشير الدكتور محمد المقاطع في كتابه إلى ذلك قائلا: «وإذا ما نظرنا إلى دور رئيس مجلس الوزراء في النظام الدستوري الكويتي فإننا نجد أنه لا يكاد يختلف كثيرا عن دوره في ظل الأنظمة البرلمانية، بحسبان أن الدستور الكويتي اعتنق النظام البرلماني شبه التقليدي، وقد انعكست طبيعة وأصول هذا النظام على سلطات واختصاصات ودور رئيس الوزراء في دولة الكويت، والتي تتمثل في أمور عديدة منها أن يتولى رئاسة جلسات مجلس الوزراء، ويشرف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة، كما تشير إلى ذلك المادة (127) من الدستور، وهو رئيس الوزراء الذي يختارهم ليكونوا المعاونين له في إدارة شؤون السلطة التنفيذية، واستمرارهم أو انتهاء توزيرهم رهن ثقته بهم من جهة، وباستمراره في منصبه من جهة أخرى، لأنهم يدورون مع رئيسهم وجودا وعدما، وقد أشارت إلى هذه المسألة المادة (129) من الدستور. ومنجهته، يرى الدكتور عبدالفتاح حسن أن: رئيس مجلس الوزراء هو الموجه الفعلي لمجلس الوزراء وهو قوتها لدافعة، ويترتب على إعفائه من منصبه أيا كانت صورة هذا الإعفاء، اعفاء سائر الوزراء من مناصبهم... كما أن له دائما أن يطلب اعفاء أي وزير يرى من المصلحة إبعاده عن الوزارة.

كما ينحو المنحى نفسه الدكتور عادل الطبطبائي الذي يشير الى الدور المحوري لرئيس مجلس الوزراء في النظام الدستوري الكويتي فيما يتعلق بسير العمل الحكومي وباقتراح تعيين الوزراء وإعفائهم، ويضيف أن: رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول الأول عن الوزراء، فإذا ما سحبت الثقة منه تعين عليه أن يستقيل، وبالتالي جميع الوزراء، وتشكل وزارة جديدة.

تشكيل الحكومة

6- نشير أيضا إلى أن الأصل عدم وجود ما يلزم الحكومة بحضور جلسات مجلس الأمة إن لم يكمل تشكيلها، خصوصا أن التشكيل ينبغي أن يتم خلال فترة زمنية قصيرة وهي أسبوعان بعد إعلان نتائج الانتخابات العامة، كما تشير إلى ذلك المادة (87) من الدستور، وهو ما يعني أنه حينما تتم استقالة الحكومة أثناء وجود مجلس الأمة ينبغي أن يكون تشكيلها أيضا في بحر مدة الأسبوعين المذكورين، باعتبار أن تلك المدة أصل يقاس عليه في المدى الزمني اللازم لتشكيل الحكومة، وإن تراخت فترة التشكيل فإنه ينبغي أن يكون قيد الأسبوعين هو الضابط الزمني، بمعنى أن الحكومة ينبغي أن تُشكّل بأسرع وقت ممكن خلال الأسبوعين المشار إليهما أو في فترة قصيرة لا تبتعد كثيرا عن فترة الأسبوعين المذكورين، حتى لا يكون ذلك مجالا لتغييب السلطة التنفيذية لمدى زمني يتجاوز هذه الفترة المعقولة، أو سبباً لتعطيل وتعليق جلسات مجلس الأمة، ومن ثم يتضح أن الأصل عدم جواز إلزام الحكومة بالحضور إلا بعد اكتمال تشكيلها.

حلول مقترحة

لتجنب إشكالية تعيين رئيس مجلس وزراء جديد مع ما يترتب على ذلك من أثر يؤدي إلى انتهاء وجود رئيس وزراء تصريف عاجل الأمور ووزرائه تطبيقا لحكم المادة 103، نظن أنه يمكن تجنب ذلك باللجوء إلى إجراء لا يناقض أي حكم في الدستور، ويمكن اعتباره مكملا أو ربما مفسراً لنص المادة (56) من الدستور.

ويتمثل هذا الإجراء بتجزئة تعيين رئيس الوزراء لمرحلتين هما:

أ- مرحلة تزكية أو ترشيح رئيس الوزراء، وهي تتم بعد إجراء المشاورات التقليدية، ويتم بعدها صدور أمر أميري بتزكية أو ترشيح رئيس الوزراء، ويكلف بأن يتولى في هذه المرحلة بتكوين فريق وزارته، فإذا اكتمل من ذلك دون عوائق، يتم الانتقال للمرحلة الثانية.

ب - مرحلة صدور أمر أميري آخر بتعيين رئيس الوزراء، يصدر بعده بفترة قصيرة جداً مرسوم أميري بتشكيل الوزارة كاملة بناء على المقترح المقدم من رئيس الوزراء.

ج - وفِي جميع الأحوال لا يتم أداء القسم الدستوري لرئيس الوزراء والوزراء إلا بعد انتهاء المرحلة الثانية ويكون القسم للوزارة بكل أعضائها أمام الأمير.