فرصة العراق للخروج من المستنقع السياسي

بينما تحرص معظم دول الغرب على تركيز اهتمامها بشكل جلي على التطورات الداخلية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية فإن اللافت بالمقارنة، هو ما يحدث في الوقت الراهن في العراق، البلد الذي شهد مقتل الآلاف من الرعايا الغربيين ووصلت المبالغ التي أنفقتها الدول الغربية عليه، الى مئات المليارات من الدولارات.

ويشير خبراء الى أن مستقبل العراق كدولة حرة ومسؤولة قد يتوقف الى حد كبير على انتاجه وما يحققه من دخل، كما أن مستقبل التعددية في نظام العراق السياسي قد يكون في الميزان بعيداً عن اليقين والمؤكد وكذا الحال بالنسبة الى بقاء الأقليات فيه.

ومنذ بداية شهر أكتوبر الماضي خرج الملايين من الشيعة في مظاهرات جماعية ضد الفساد في الحكومة ذات الأكثرية الشيعية وضد تدخل الجارة ايران التي أمضت السنين وهي تشدد قبضتها وسيطرتها على الشؤون الداخلية في العراق، وتعتبر المعارضة العلنية غير مسبوقة من حيث الجرأة والأبعاد الى حد كبير.

في غضون ذلك قتل أكثر من 300 شخص منذ بداية المظاهرات ويقال إن معظم العمليات تمت من قبل ميليشيات متخفية بأشكال ايرانية وهي تحاول وضع حد لتلك المظاهرات. كما أصيب الآلاف من المدنيين بجروح خطيرة وحاولت حكومة بغداد حجب خدمة الانترنت ولكن الصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالمظاهرات استمرت في الوصول الى العالم الخارجي وهي تنقل صور الجرأة والرعب في العراق.

وتظهر مسيرات المتظاهرين السلميين المطالبين بدولة علمانية غير طائفية مع دستور جديد يوفر المساواة لكافة أبناء الشعب تظهر كيف تعرضوا لاطلاق نار بذخيرة حية أو باستعمال كميات مهلكة من الغاز من النوع العسكري، ويتم اطلاق هذه الأسلحة على المتظاهرين العزل مباشرة ومن دون تفريق على الاطلاق.

الحصيلة الإيجابية

من جهة اخرى تشير المعلومات الميدانية الى أن تلك المظاهرات السلمية والتي قوبلت بردود عنف قد وحدت بين مختلف فئات الشعب العراقي من أكثرية وأقلية وبطريقة لافتة تماماً. وقد انضمت الطائفة المسيحية الى تلك المظاهرات بصورة علنية كما أعربت الشعارات واللافتات التي كان يحملها المتظاهرون المسلمون وتعبر عن التضامن مع الأقليات عن تأييد ذلك المسار بصورة واضحة.

المعروف أن الدستور العراقي يعتمد بوضوح على الشريعة الاسلامية ولكن الأقليات الدينية تحارب من قبل الحكومة وربما تمثل تلك التظاهرات آخر شعاع أمل حول مستقبل مساواة حقيقية بالنسبة الى الطائفة المسيحية التي شهدت هبوطاً بطيئاً في عددها منذ قرون من الزمن وتسارع بشدة في العقدين الماضيين ووصل الى مستويات عالية.

والعراق الذي يشتهر بأنه موطن واحدة من أقدم وأغنى الثقافات المسيحية في العالم تراجع عدد المسيحيين فيه الى 200 ألف مواطن فقط، وقبل عقدين من الزمن وصل ذلك الرقم الى مليون ونصف المليون نسمة، ولكن الحرب والاضطهاد والقمع وخاصة على يد تنظيم داعش في الآونة الأخيرة قلص ذلك العدد بشدة.

ولم يتمكن تنظيم داعش من اضطهاد وملاحقة المسيحيين العراقيين في القرن الماضي فقد كان مستهدفاً طوال القرن العشرين، وحتى عندما تم طرد عناصر تنظيم داعش من سهل نينوى انطلقت الميليشيات المدعومة من ايران للسيطرة على المناطق المسيحية السابقة وبوسائل عنيفة في البعض من الأحيان ضد المجتمعات المحلية المسيحية.

ولم تقتصر الملاحقة على المسيحيين فقط بل شملت المجتمعات غير الاسلامية، كما أن الكثير من الايزيديين الذين تعرضوا لهجمات تنظيم داعش هربوا من العراق فيما ظل عدد كبير منهم في معسكرات اللاجئين غير قادرين على العودة الى منازلهم القريبة من سنجار. وهكذا فقد شهدت السنوات الأخيرة حركة متنامية لتخليص العراق من بقايا الأقليات فيه، واضطرت الأقلية اليهودية التي تعد حوالي 150 ألف نسمة الى مغادرة العراق قبل أكثر من نصف قرن من الزمن.

رفض التهميش

وقد أظهر الملايين من العراقيين الذين نزلوا الى الشوارع في الأسابيع القليلة الماضية وبجلاء تام رفضهم لهذا التهميش كما أن المحتجين وهم بشكل رئيسي من جيل الشباب وذوي التوجه الغربي يطالبون بدستور جديد للبلاد يعمل على ازالة الحكم الطائفي الفاشل ويلغي سلطة النخبة التي نهبت ثروة العراق منذ عام 2003.

ومع ازدياد عدد المحتجين اعترف عدد متزايد من المسؤولين الحكوميين في العراق بصورة علنية بفشلهم في خدمة الشعب. وفي الشوارع تصر الجماهير على مطالبها وما يتعرض للاختبار في الأيام والأسابيع المقبلة هو ما اذا كانت هذه الفرصة لتحقيق حرية العراق وتوفير مساواة حقيقية لكل فئات الشعب سوف تتمكن من البقاء والتقدم الى الأمام أو أنها سوف تسحق الى الأبد من قبل ايران بمشاركة عملائها وحلفائها الذين يتشبثون الآن بصورة يائسة بالسلطة في العراق.

في غضون ذلك، اندلعت موجة من احتجاجات العنف في ايران شملت مختلف أنحاء البلاد وتم تشويه صور القادة السياسيين والدينيين الإيرانيين وبما يشبه الطريقة التي شهدها العراق منذ شهر أكتوبر الماضي. وفيما كانت الاحتجاجات الايرانية بشكل أولي مرتبطة بالزيادة التي فرضت في الآونة الأخيرة على سعر البنزين يعتقد المحتجون العراقيون أن المتظاهرين في ايران كانوا يشاهدون التطورات التي جرت في العراق وقد تشجعوا منها من أجل النزول الى الشوارع والتعبير عن الاحتجاج.

وتقول دعابة تتردد في العراق اليوم إن إيران حاولت طوال 40 سنة تصدير ثورتها الى العراق ولكن الشعب العراقي تمكن من تصدير ثورته الى ايران خلال 40 يوماً فقط، وتخضع ايران في الوقت الراهن الى تعتيم فعلي اعلامي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

وتجدر الاشارة الى أن الحكومات الغربية بما فيها الأميركية بدأت بالتوضيح الى القادة في العراق أنهم اذا أرادوا تجنيب بلادهم مواجهة مستقبل دائم يتسم بدولة منبوذة – وهي امكانية لا تزال موجودة حتى الآن – يتعين وضع حد فوري لعمليات القتل والحملات ضد المتظاهرين السلميين. ويتعين أيضاً اعادة خدمات الانترنت والتواصل الاجتماعي مع استجابة الحكومة العراقية الى الرغبة الجامحة للشعب والتخلي عن السلطة. وهذه لحظة ذات أهمية تاريخية بالنسبة الى العراق ومنطقة الشرق الأوسط كما يتعين على الغرب أن يستيقظ الآن من أجل مواجهة هذه التطورات المثيرة للقلق.

* ستيفن راش