رسالة إلى مشاري

  • 11-09-2019

لم أسمح لنفسي بالثناء عليك حال حياتك لسببين: الأول، أنك ترفض المدح لك والثناء عليك. والثاني، مخافة أن أُتهم بالتزلف، أما وقد ترجلت عن صهوة جوادك، فشهادة يجب أن تخرج من كتمانها.

فلطالما تساءلت: كيف استطعت أن تضبط سورة الغضب لعشرين عاماً؟ فلم أسمع في يوم صوتك وقد ارتفع على أحد موظفيك بسبب خطأ مهما كان جسيماً، بل إن أحدهم حدثني عن تحاشيك النظر إليه عند التقائك به متأخراً عن مواعيد العمل.

وفي المقابل، فقد ملأت قاعة عبدالله السالم وساحة الإرادة وغيرهما صراخاً وغضباً على الفساد وقومه، دون أن تخل بالاحترام أو تتجاوز حد اللباقة، وقد كانت حربك ضد الفساد في السر كما هي في العلانية، مع القريب قبل البعيد. وإذ نسيت فلا أنسى يوم نصحتني بالامتناع عن شراء أسهم استغلالاً لمعلومة اطلعت عليها بحكم المهنة، فقلت: إن ذلك بمثابة جر اللقمة من فم أولاد البائع، الذي ما كان ليبيع لو توافرت له المعلومة التي توافرت لك، وقد كان ذلك قبل صدور القانون الذي يمنع المطلع على المعلومات من استغلالها في شراء الأسهم أو بيعها، بعدة سنوات.

كما لا أنسى رفضك الحاسم والجازم للخلط بين صفتك كمحام وصفتك كنائب، عندما اقترح أحدهم عليك أمام موكلك، أن تطلب من النائب العام أن يرفع إجراءات فرضها على الموكل، وذلك بصفتك محامياً عنه ونائباً في البرلمان. ولم يحرم القضاء من منافع حربك ضد الفساد، فيكفي أن أشير إلى اقتلاعك العائق الذي كان يحول دون تداول المناصب العليا بين مستحقيها.

هذا، وإذ أفلحت فخاخ الفساد وشراكه في إسقاط الكثيرين في حمأة الطائفية والعنصرية، فقد فشلت في إسقاطك، فقد قدمت النصح والدعم القانونيين للمتهمين في فرية التأبين في عام 2008، حتى ظفروا بالبراءة، كما فعلت الأمر ذاته منذ عام 2009 وحتى وقت قريب مع شباب الحراك في القضايا التي لفقت لهم.

لم تقتصر شجاعتك على مواجهة الفساد، إنما تجلت في أبسل صورها عندما واجهت المرض المميت، فلا أنسى يوم أن بُحت لي عن السكينة التي حلت في ثناياك بمجرد أن أُخبِرت عن الداء الذي أصابك فأفضى لاحقاً إلى وفاتك.

فنم يا مشاري قرير العين في حضن الوطن متدثراً بحب المواطنين، فقد صنت أماناتهم وأديت حقوقهم وحفرت اسمك في قلوب أجيالهم.