ما الذي يحدث بالضبط في الأرجنتين؟

  • 21-08-2019

(أعيدوا الدولارات أيها اللصوص) "ladrones devuelvan los dólares" و(صندوق التعاسة الداخلي) "Fondo de Miseria Interna" في إشارة إلى صندوق النقد الدولي، كتب الأرجنتينيون تلك العبارات بالإسبانية على لافتاتهم التي حملوها أثناء مظاهراتهم ضد حكومتهم وضد سياسات صندوق النقد الدولي في الأول من ديسمبر 2001.

ورغم مرور ما يقرب من 18 عاماً على تلك الاحتجاجات فإن تلك الشعارات لم تختف أبداً من على الساحة ولا تزال حاضرة بقوة في الأوساط الشعبية الأرجنتينية.

فالعلاقة بين الأرجنتين وصندوق النقد الدولي ساهمت ولا تزال في تشكيل الجزء الأكبر من التاريخ الاقتصادي الأرجنتيني المعاصر.

الأرجنتين فوق صفيح ساخن

في الثاني عشر من أغسطس الجاري اهتزت الأرض من تحت أقدام الأرجنتين. خسرت البورصة 38 في المئة من قيمتها السوقية في يوم واحد، وتراجعت قيمة البيزو بنحو 30 في المئة قبل أن يتعافى جزئياً لتصل خسائره إلى 20 في المئة على خلفية قيام المركزي الأرجنتيني برفع سعر الفائدة إلى 75 في المئة. كل هذا أدى إلى تدهور أسعار السندات الأرجنتينية وخصوصاً تلك المقومة منها بالدولار.

كان السبب الرئيسي وراء ذلك التسونامي هو خسارة الرئيس الأرجنتيني الحالي ماوريسيو ماكري الانتخابات الرئاسية التمهيدية بفارق كبير لمصلحة اليساري ألبرتو فرنانديز.

وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها تعتبر إلى حد كبير بروفة تحضيرية للانتخابات الرئاسية العامة المزمع إجراؤها في أكتوبر القادم.

حصل "فرنانديز" على 48 في المئة من الأصوات في حين حصل الرئيس الحالي على 32 في المئة فقط، وهي فجوة لا يمكن لـماكري التغلب عليها خلال هذه الفترة القصيرة.

لذلك من شبه المؤكد أن ماكري سيخسر انتخابات أكتوبر، وهو الاحتمال الذي أثار قلق المصرفيين والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية حول العالم.

هؤلاء جميعاً لا يخشون خسارة ماكري بقدر ما يخافون من فوز فرنانديز بالرئاسة. ولكن لمَ كل هذا الخوف من فرنانديز؟ ببساطة الأخير كان يشغل منصب رئيس الوزراء في حكومتي عائلة كيرشنر التي حكمت الأرجنتين في الفترة بين عامي 2003 و2015، وهما الحكومتان اللتان رفضتا الدفع لصناديق التحوط الأميركية أسعار الفائدة الباهظة التي طلبتها من الأرجنتين بعد أزمة 2001.

خسارة ماكري... هل كانت مفاجأة؟

اللافت للنظر حقيقة هي حالة الاستغراب والاندهاش التي سيطرت على كثير من وسائل الإعلام العالمية وخصوصاً الأميركية من خسارة ماكري المهينة للانتخابات التمهيدية. بالنسبة لهم كانت النتائج غير منطقية، ولذلك تساءل بعضهم: كيف يخسر ماكري بتلك الطريقة بعد أن تمكن أخيراً من وضع الاقتصاد الأرجنتيني على مساره الصحيح؟ ولكن هل هذا صحيح؟

أي طفل بالسادسة من عمره إذا نظر إلى الواقع والأرقام لن يجد صعوبة في أن يستنتج أن خسارة ماكري هي ربما الشيء الأكثر منطقية في العالم. لا توجد مفاجآت.

هذه هي حالة الاقتصاد الأرجنتيني الآن: معدل التضخم يبلغ 56 في المئة، مما يجعله واحداً من أعلى معدلات التضخم في العالم. وعلى الرغم من أنه لا يمكننا إنكار حقيقة أن التضخم أظهر هذا العام تحسناً معقولاً مقارنة مع العام الماضي الذي بلغ خلاله نحو 70 في المئة إلا أن التأثير واحد في النهاية.

فسواء كان معدل التضخم 56 في المئة أو 70 في المئة فكلاهما يدمر الدخول الحقيقية للعمال والشركات الصغيرة.

العملة المحلية أو البيزو تواصل مسلسل السقوط للعام الثاني على التوالي. فمقارنة مع سعر صرف يبلغ 16 بيزو لكل دولار في عام 2017 تدهورت قيمة العملة الأرجنتينية لتصل إلى حوالي 55 بيزو لكل دولار لحظة كتابة هذا التقرير، ومن المتوقع أن يستمر هذا التدهور. وما سيزيد الطين بلة بالنسبة للأرجنتينيين هو أن تدهور البيزو سيؤدي إلى تسارع نمو التضخم.

أضف إلى ذلك حقيقة أن الاقتصاد الحقيقي الأرجنتيني واقع بالفعل في فخ الركود. ففي خلال الأرباع الأربعة الأخيرة انكمش الاقتصاد بأكثر من 5 في المئة في المتوسط، بينما انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 10 في المئة تقريباً على مدار الـ 12 شهراً الماضية، كما أن البطالة تستمر في التدهور.

بعبارة أخرى، انخفضت مستويات المعيشة بشكل حاد بسبب التضخم المتسارع وفقدان الكثيرين لوظائفهم منذ تولي ماكري منصب الرئاسة في عام 2015 وقيامه بتنفيذ إجراءات التقشف التي طالب بها صندوق النقد الدولي. تلك الإجراءات شملت على سبيل المثال، خفض المعاشات وتقليص عدد الموظفين الحكوميين ورفع تكاليف الخدمات ورفع الدعم.

يعيش ثلث الأرجنتينيين الآن تحت خط الفقر وفقاً للإحصاءات الرسمية. فلمَ يستغرب البعض تعبير الشعب الأرجنتيني عن سخطه تجاه تلك الأوضاع في الانتخابات التمهيدية التي عقدت في وقت سابق من هذا الشهر؟

أين ذهبت الـ100 مليار دولار؟

على نحو مقصود تتجاهل وسائل الإعلام الأميركية إلقاء الضوء على ما يعانيه الأرجنتينيون من السياسات النيوليبرالية التي يفرضها عليهم صندوق النقد الدولي.

لكن انتظر لحظة. ألم تتلق الأرجنتين أخيراً قرضاً قياسياً بقيمة 56 مليار دولار من صندوق النقد الدولي؟ أليس بوسع هذا القرض تعزيز الاقتصاد ودفع عجلته للأمام؟ والإجابة عن هذا السؤال بوضوح هي لا، لم يعزز ذلك القرض الاقتصاد الأرجنتيني ولن يفعل لأن هذا ليس هو الهدف من ورائه.

المشكلة هي أن الأغلبية لا تفهم طريقة عمل الصندوق ولهذا يحدث الالتباس. الـ56 مليار دولار التي وعد بها صندوق النقد الدولي الأرجنتين لن تدخل إلى الاقتصاد الحقيقي. إذن أين ستذهب؟ ببساطة هذه الأموال ستمنح للأرجنتين لغرض محدد وهو استخدامها في سداد ديونها للبنوك والمستثمرين العالميين وكذلك صناديق التحوط.

صندوق النقد الدولي لا يقدم أبداً أموالاً لأي بلد كي يستخدمه في تحفيز اقتصاده الحقيقي. بل على العكس، عادة لا تحصل أي دولة على قروض من الصندوق إلا بعد أن تتعهد بالالتزام بشروطه وبرامجه والتي تشتمل دائماً على تدابير تقشفية تقلل من الإنفاق الحكومي أو ترفع الضرائب. لكن ماذا لو أدت تلك التدابير إلى تباطؤ الاقتصاد؟ هذه ليست مشكلة الصندوق.