إشكالية الطاووسية

  • 21-08-2019

ترمز الطاووسية إلى الغطرسة والتعالي والغرور، فيرى بها الإنسان أنه أكبر من قدراته، ومدى تفكيره، وقد ابتليت مجتمعاتنا بهذا النوع من البشر، والقاعدة هي أن الإنسان كلما ازداد علماً وثقافة ازداد تواضعاً، إلا هؤلاء الطواويس. ولعل البيئة من حولهم هي التي أتاحت لهم ذلك النهج، وقد يكون الأمر راجعاً إلى أسباب أخرى اكتسبها أولئك نتيجة قصور علمي وثقافي وعيشهم على هامش الحياة غارقين في أحلامهم بعيداً عن الحقيقة والواقع.

يَظهر أصحاب هذه النزعة أحياناً فجأة نتيجة ظروف استثنائية، كأن يتبوأوا مناصب قيادية لا يستحقونها، أو يرثون أموالاً لم يبذلوا جهداً في الحصول عليها، أو بعد حصولهم على مكانة اجتماعية دفعتهم إليها الإثنية في مجتمعاتهم الصغيرة والكبيرة.

والمصطلح مأخوذ من الطاووس الذي «ينفش ريشه» ليسيطر على من حوله، مظهراً تعاليه وكبرياءه بين الحين والآخر، مع أنه في حقيقة الأمر طير يتضخم متى يشاء، ثم يعود إلى وضعه الطبيعي بحجمه العادي بعد ذلك التعالي وتلك الغطرسة.

الطاووسية نزعة اجتماعية تكثر في المجتمعات المتخلفة لأن المجتمعات المتقدمة يكرس الإنسان فيها نفسه للعلم والإنتاج، ولا وقت لديه أو لا مبرر عنده أصلاً لوجود تلك النزعة، لأن قيم تلك الشعوب ترفضها.

نزعة الطاووسية لدى بعض الناس قد تكون مؤقتة حسب ظروفها، وقد تكون دائمة، لذلك ترى أناساً على غير حقيقتهم يعيشون حالة من التضخم المفتعل في مظهرهم ومحتواهم في الوقت الذي تكون فيه قدراتهم محدودة، وأفقهم ضيقاً وثقافتهم ضحلة.

ما يدفعنا إلى الكتابة عن هذه النزعة ما نراه من ظواهر في الواقع، فإشكالية كهذه تستحق المعالجة، لاسيما عندما تكون ظاهرة اجتماعية، لذا أردنا طرحها وتسليط الضوء عليها حتى يلتفت الإنسان حوله ليتلمسها، ويعي آثارها، لكن السؤال: هو إلى أي مدى يكون لتلك النزعة تأثير على السلوك، وعلى حياة الناس؟ تجد الظاهرة مستشرية وسط أناس لديهم إمكانيات مادية بلا قدرات، وهم غالباً لا يعملون أو لا ينتجون، أو أن هناك ظروفاً اجتماعية ساهمت في إيجادها لديهم، مع الأخذ في الاعتبار أنها غير مقتصرة على فئة أو طبقة أو حتى القياديين وحدهم.

ولتلك الطاووسية التي يعيشها البعض آثار سلبية دون أن يكون لها عوائد إيجابية، وهي تنتشر في مختلف المجالات، لاسيما تلك التي تعاني فراغاً في المحتوى العلمي والثقافي النوعي العضوي الحقيقي، والمشكلة أن الناس يرون هذه الظاهرة ولكن الشخص الطاووس نفسه لا يراها، لأنه غارق في وهم تضخم الذات، لذا لم نجد أفضل من كلمة «الطاووسية» لوصف هذا الشخص، ووضعها عنواناً لهذا المقال.