أولادنا

  • 24-06-2019

أولادنا قطعة من الروح تكونت وكبرت خارجنا، جزء من نسيجنا، من الخلايا الحسية وشبكة الأعصاب التي تبقينا مدى الحياة مرتبطين بهم مهما بعدوا ومهما كبروا، لا يمكننا الانفصال عنهم أو تركهم لمستقبلهم ولحال سبيلهم، فهل بالإمكان انفصال الجسد عن بعض من أعضائه، أو تخليه عن اليد أو الرِّجل، أو أي قطعة أخرى منه دون الإحساس بفراغها من الرابط الذي كان يربطنا بها؟

كل الذين بُترت قدمهم أو يدهم لم يفقدوا الإحساس بوجودها، برغم فراغ المكان منها وانعدامه، وربما هذا هو السبب الوحيد والأقوى الذي يبرر هذا الشعور بالرابط الأزلي الذي يُبقي الأمهات مشدودات طوال العمر إلى أولادهن، مهما كبروا واستقلوا بحياتهم، تبقى الأمهات مربوطات ومشدودات غصباً عنهن إلى ذاك الجزء الذي انفصل عنهن، لكنّه حمل معه جزءاً من خلاياهن وأعصابهن التي مازالت متشابكة معهم، وترسل ذبذباتها طوال الوقت بالترابط الحسي مع جزئها المستقل والمنفصل في تكوين جسد آخر بكينونة حياة أخرى، لكنه ما زال مشتبكا حسيّا بشبكة الأم، ولا فكاك ولا انفصال ولا استقلال عنه، لأنه رابط الدم بالدم، وحنين الخلايا إلى أجزائها التي تبقيها على دوام الوصل والتواصل، أي البث المستمر مع شبكة الخلايا والأعصاب المنفصلة عن طريق الريموت كونترول على سبيل التشبيه فقط.

أي والله، كأن الأعصاب تحمل خبرتها الدائمة في هذا البث المخزن بين النطفة المستقلة المنفصلة، والتي ما زالت مربوطة بذاكرة خلايا أعصاب حية تتراسل مع قاعدتها، حتى وإن انفصلت عنها، لكن ما زالت مشدودة لها بهذا الرابط غير المرئي لكنه محسوس، وإلّا من يفسّر لي سبب هذا الارتباط المحمل بمشاعر الخوف والقلق والحب الدائم، القابل والراضي بالعبودية بكل محبة وخضوع، بلا أي ثمن كان، حتى وإن لم يُقابل هذا الحب بعطاء يماثله؟

الجواب الوحيد لهذا السؤال هو أنه الحب للجزء الذي فقدناه، والذي اقتُطع منّا.

ولهذا نقبل ونرضى بكل فخر ومحبة أن يكون هذا الجزء أفضل منا بكل أحواله، ومهما تفوّق علينا وباتت نجاحاته تبزنا، فإنها تحمل كل الفرح والسعادة لنا، وهذا التفوق والنجاح الوحيد الذي يسعدنا، ولا نشعر بالغيرة حتى وإن لم يكن مباشرة لنا، وربما يسعدنا أكثر مما لو كان لنا.

لماذا؟ لأنه بكل بساطة هم نحنُ، أو أنانا، وهذا هو ما يفسر قبولنا نحنُ الأمهات بهذه التضحية والخضوع لعبودية أبدية برابط لا ينقطع ولا يرتخي ولا ينفصل من مكمنه، لأن الجواب والتعريف لهذه العلاقة الغريبة المعقودة والمعقّدة بحلقة عاطفة خانعة خاضعة راضية مشغولة بالقلق الأبدي هو أننا نحب أنفسنا، نعشقها، ونبذل كل ما فينا من طاقة للمحافظة عليها ومداراتها ورعايتها، بالرغم ممن ترعاه وتقلق عليه وتمنحه كل ما في قلبك ووجدانك من حب، هو مشغول مع عالم خارج عالمك، يتواصل مع الأبعد عنك، بينما لا يُحسن التواصل مع الأقرب له، الذي موجود في حجرتك، وجالس على المقعد المجاور لك، موجود بجسده وأفكاره تتواصل بعيدة عنك، لست أنت من الذين يدورون في مداره، ولا من يشغلون فكره واهتمامه، تتمنى أن تكون من هؤلاء البعيدين الذين برغم البعد وكذب العالم الافتراضي الذي يحتويهم فإن لهم حظوة الاهتمام والانشغال والتركيز في معرفة ما لا يهم ولا يقرب ولا يوثّق القلب بالقلب، ولا يمزج نطفة الروح بالروح.

لكن الأمهات يتقبلن - بكل حب - كل الأطوار والأوجه المتعددة والمختلفة لتلك النطف التي خرجت منها واستقلت عنها، وانشغلت بعالمها الجديد، وابتعدت عن حضن ماضيها القريب الذي لا يهتم إلا بها، ولا يتمنى إلا رضاها وسعادتها، تتقبلها بكل شطحاتها وكل أخطائها وغفلتها، وأحيانا قسوتها ونسيانها لتلك التي لا تتوقف عن استقبال ذبذباتها طوال الوقت بكل الحنان والمحبة والخوف والقلق، مهما بعدت نطفتها عنها، تبقى الأمهات قلوبا تدق ساعاتها بالحب الذي لا تعرف غيره تجاه نطفتها.