القاتل الأشقر

  • 01-02-2019

سنواتٌ انزلقت سريعاً من بين أصابعي وأنا رهينٌ هذه الزنزانة الدبقة. لم يعلّمني شبح الموتِ الذي يُقِيمُ معي كيف أحترمُ الموت فحسب، بل كيف أشتهيه. كلّ يوم يطلّ عليّ السجّان البدينُ ذو الكرش المدلوقة، يخبط بعصاه حديد زنزانتي، حتى إذا انتبهتُ صاحَ بي «غداً ستموتُ شنقاً!» ثم يدفع إليّ بصحن الطعام ويمضي بِخيلاء وأبّهةٍ مفتعلّين، حتى إذا جاء الغد الموعود عاد إليّ بصحن جديد، يخبط حديد الزنزانة يدفع الصحن ثم يتأمّل هيئتي. يفتل شاربه ثم يطلقُ عبارته: «غداً ستموتُ رمياً بالرصاص!» ويمضي.

في أيّامِيَ الأولى، كانت عبارتة تهزّ أعماقي. صحيحٌ أنّني بعد تلك الهزّة العميقة التي آلت بي إلى هذه الزنزانة ما عدتُ، أعبأ كثيراً بالحياة، لكنْ كان لا يزالُ لفكرةِ الموت صدًى مجلجلٌ داخلي...

كان ذلك في الأيَّام الأولى؛ في الشهرٍ الأوّل لمَقامي في هذه الزنزانة «القبر». لكنْ، فيما بعد، صرت لا أصدَّقُ زعمَه بل صرت آنسُ بحضوره. في أعماقي تربّتُ قناعةٌ راسخةٌ بأنَّ هذا السجّان اللّبق، الذي لا ينفكُّ يذكرني بالموت، ما هو إلّا ملاك أمان، وأنّه حينَ يزفُّ إليّ الموت فإنّما ليمنحني يوماً آخرَ من حياة!

كان الأمرُ يفخّخ في أعماقي قناعةً عكسيّةً: أنَّ تغيّب هذا السجَّانِ الوديع، أو تمنّعَهُ عن تذكيري بالموتِ، لا يعني سوى أمرٍ واحد: أنّني غداً ميِّت! ما عدت أحفل بالحياة، ولا عادت تعنيني في شيء، لكنّني أخاف الموتَ. أحياناً، ترهبني تلك الثواني التي تسبقُ العدم، وترهقني فكرةُ فطام الروح عن الجسد...

ثلاثُ سنواتِ مرّت سريعةً، على الرّغم من أنّني شختُ فيها... «ما عاد في وليد الذي كان سوى عينيه»، تقول مروة؛ مروة سيّدةُ الظلال والنهايات الحزينة. لا أردُّ على ملاحظاتها القاسية... في كثيرٍ من الأحيان، لا يكونُ في عمر الزيارة الأسبوعيّة التي يجودُ بها السجّانُ متّسعٌ لأردّ. أتأمّلُ عينيها الجميلتين وحُسنها الطاغي. تحدّثني عن رتابةِ أيّامها؛ عن شقائها بماضٍ لا يمَّحي. تتغزّلُ فيّ وترسمُ في خيالها سيناريوهات لحياةٍ كان من المحتملِ أن نعيشها لولا...

في العادة، تصمتُ حينَ تنتهي إلى هذه ال «الولا»، تديرُ دفّة الحديث صوب ما تشتهي؛ تحدِّثني عن الروايات التي قرأتها واستقدمتها لي، أو تتندَّر بطرائف زبائنٍ ليلها، لكنَّ لسانها في كثيرٍ من الأحيانٍ يسيلُ وجعاً. أيُّ حديثٍ يبتدئُ بسيرة الأشقر لا بدَّ من أن ينتهي بالبكاء!

مروة لا تزالُ تحبُّهُ. كمعطفٍ عتيق لا تزالُ معلَّقةً إلى مشجب انتظاره. على الرّغم من أنّها لا تنفكُّ تثرثرُ بعرامة حبّها لي؛ على الرّغم مما تبديه من أحاسيسَ لاعجة، فإنّها بمجرّد أن يأتي الحديث عن الأشقر تلتمعُ عيناها بذلك البريق الحادّ الذي لا يعيشُ سوى ثانيةٍ... ثانية تُفضي فيها إليّ بكلِّ شيء. قبلتُ وضعي في هذه المعادلة الصعبة عن وعي، بعد أن كنت أعيشه فيما مضى غير واعٍ!

مروة... سيّدةُ الظلال، هي كلُّ من لي في المغرب؛ الوحيدةٌ التي صدّقتني من دون أن أدفعَ لها بأسباب براءتي. أحياناً، حينَ أبحلقُ في كلّ الجنونِ الذي اقتادني إلى هذه الزنزانة، وهذا المآلِ الذي انتهيتُ إليه، يرسو في قرارة نفسي يقينٌ ما كنت أؤمنُ به من قبل: أنّ الحياةَ مرتّبةٌ بإتقانٍ، وأنّنا في الأخير لا نسيرُ أبعدَ مما تشتهي، ولسنا أحراراً مهما أَرخَتْ لنا الحياةُ حبالها. ومروة، لسببٍ ما، أشعرُ بأنَّهُ كان لزاماً عليّ أن أعرفها؛ مهما ابتعدتُ كان لا بد من أن تصوّبني نحوها الدنيا.

هذه العاطفة الغامضة التي نبتت بِينَ ظلّين، كان لا بدّ من أن تتوّج مهزلة حياتي. مروة هذه، بالنظر إلى أوجاعها، هي أنثايَ في الوجع؛ حوّائي التي استلّها الربُّ من ضلعي، وطوّحَ بها في أرض بعيدة قبل أن يقلبَ بعنفٍ مروج الذاكرة.

مروة... قرينةُ يأسي، كلانا ملأ حيّز الظلّ. الفرقُ بيننا أنَّها كانت تعي حقيقتها؛ تعي قَدَرها وتفهم الاستحالات التي تطوّقها، بينما أنا... أنا المغدورُ، المطعونُ في الصميم، عشتُ مأخوذاً ببطولةٍ زائفة، واستيقظتُ في ثلاث دقائقَ من الوهم الذي عشتُه، لأكتشف أنّني، مثلَ مروة، لم أغادر الهامش الظلّيل.

لم يأتِ الحارسُ البدينُ ذو الكرشِ المدلوقةِ والشارب المفتول. لم يُحضر الطعام. ناب عنهُ سجَّانٌ آخر، نحيل كمسمارٍ كبيرٍ، معقوفُ الأنف، صُلبُ الوجه، حتى ليخيّلُ إلى من رآه أنَّهُ يضعُ قناعاً. كانت ملامحهُ القاسية، والأخاديدُ التي تطْوّقُ جفنيهِ وتضربُ حصارها على الفم البارز الذي تفشلُ شفتاهُ في الإحاطة بأسنانه، تشي بأنَّه شخصٌ صعبُ المراس، وأنَّ كتلة العظام التي تفيض عنها البزَّة العسكريّة لا بدَّ من أنّها مبطّنةٌ برصيدٍ ثقيلٍ من الكراهية.

كنتُ أشتهي – على نحو بافلوفي - حين خبط بعصاهُ على حديد زنزانتي، أن يُسمعني ما اعتدتُ سماعهُ «غداً أموت ...»، لكنّهُ لم يقل ذلك. قالَ «غداً ستنتقلُ إلى سجنٍ آخر» وزمّ شفتيه. همّ بأن يقولَ شيئاً، لكنّه تراجعَ. سألتُه عن الرّجل البدين، فتطلَّعَ إليّ بنظرات غاضبة وقال «ما شأنكَ به؟» لم أجب. كان يقرضُ ذهنيَ وسواسٌ لعين، تمنّيتُ لو أقولُ له إِنّ السجّان البدِينَ ولعبتَهُ معي ربَّيا في أعماقي قناعةً مريضة، بأنّني في منأى عن الموت ما دام ذاك السجَّان يذكّرني به على نحوٍ يوميّ، وأنَّ غيابهُ لا يعني سوى أمرٍ واحد: أنَّ ساعةَ إعدامي قد حانت أخيراً.

أنا وليد معروف، ولدت في قرية لبنانيّة متاخمة لصيدا، وهذه الحكاية التي سأقصّها عليكم، كنتُ أعتقدُ أن لا دور لي فيها سوى أنّي شاهد على ما كانَ. اليوم، إذ أستعيد تفاصيل ما حدث، أجدني حزيناً جداً، لأنّ القصّة التي كنت أحسبُ أنّها لا تعنيني في شيء، تغلغلت كحدَّ مديةٍ عميقاً في لحمي. ليس في الإمكان أن يكون المرء استثناءً، والاستثنائيُّون يُولدون هكذا: لا دورَ لهم في حياتكم سوى أنّ الحياة صوّبتهم كبندقيّة صوبَ مفارقات الحياة ومضائق الأسطورة. لا دور لي في الحكاية؛ يا سادتي، سوى أنَّ الحياة صوّبتني جهةَ واحد من المجانين الاستثنائيّين.

كلانا وجد نفسه في المكان الخطأ والزمان الخطأ، وكلانا وجد نفسه مدفوعاً نحو اقتراف أكثر الجرائم بشاعة. قبل أن أتعرّف إلى الأشقر، أو الأزعر، أو الأصهب، أو بيبرس البندقداريّ، أو ديب الدولة الإسلاميّة... قبل أن أتعرّف إلى هذا الرجل الذي لا تنتهي صفاته وأسماؤه ولا ينتهي جنونه، كنت أعتقد أنّني أحد المجانين الاستثنائيّين. كانت تعرشُ في أعماقي قناعةٌ بليدة بأنّني منذور لأمر عظيم! وربّما لهذا السبب ورّطت نفسي، من حيث لا أدري، في الجنون الأكبر. كانت تعوزني حكمةٌ سأنتهي إليها فيما بعد: أنَّ الاستثنائيّين لا يتقدّمون صوب العاصفة، بل هي التي تتقدَّم صوبهم!