قراءة في حكم الدستورية حول التجمهر والتجمعات المحكمة ترفض أي تجمعات أو مسيرات أو تظاهرات إلا بالحصول على ترخيص مسبق

بعد أن حسمت المحكمة الدستورية موقفها من مواد التجمهر والتجمعات المطعون عليها بعدم دستوريتها وتأكيد سلامتها، أكدت «الدستورية» برئاسة المستشار يوسف المطاوعة، وعضوية المستشارين محمد بن ناجي، وخالد سالم، وخالد الوقيان، وإبراهيم السيف بأغلبية أعضائها أن عقد التجمعات العامة التي تُجرى في الطرقات والشوارع والميادين يجب أن تتضمن الحصول على ترخيص ممن يريد القيام بها.

وأضافت المحكمة أن أي تجمعات تزيد على ٢٠ مواطناً يجب أن يحصل المتقدم بها على ترخيص من السلطة الإدارية ممثلة بوزارة الداخلية، وان مثل هذا الترخيص هدفه حماية المصلحة العامة.

وتضمن حكم «الدستورية» جملة من المبادئ التي تتعلق بالمصلحة في الطعن، وكذلك ما يخص الضوابط الخاصة بقضايا التجمهر والتجمعات، ومن شأنها أن تجرم التجمهر إذا ما زاد على خمسة مواطنين، والتجمعات إذا زادت على عشرين، ويجب الحصول فيها على ترخيص، وإلا جاز محاكمة الأفراد عليها ومعاقبتهم أينما وجدوا، وهو ما ينبئ بإمكانية وقف أي تجمعات حقيقية تتم دون الحصول على ترخيص.

وأكدت المحكمة ضرورة أن تتوافر الطعون التي تنظرها لشرط المصلحة الشخصية المباشرة، لكونها بحسب ما أسمتها، الشروط التي يلزم تحقيقها، وإذا تحققت فسيحدد للخصومة الدستورية نطاقها، وبالتالي لا تندرج تحتها إلا النصوص التشريعية التي يؤثر الحكم في مدى دستوريتها بصفة مباشرة على الدعوى الموضوعية دون سواها، وبالتالي فإن عدم تأثير الحكم بعدم دستورية النص على الدعوى الموضوعية يقضي إلى انتفاء المصلحة الشخصية اللازم توافرها في الطعن الدستوري.

ومن حيث الموضوع الخاص بالطعون، فقد تناولت «الدستورية» قضية التجمهر، وأكدت أن نص المادة ٣٤ من قانون أمن الدولة بادعاء غموضه وإبهامه وإخلاله بالحرية الشخصية هو في غير محله، لأن المادة ٣٤ حددت شروط قيام التجمهر في أن يكون مؤلفاً من خمسة أشخاص على الأقل، وأن يكون ذلك في مكان عام، وأن يكون الغرض من هذا التجمهر ارتكاب جريمة ما أو الإخلال بالأمن العام، وأن يكون المشتركون فيه عالمين بهذا الغرض، وأن يبقوا متجمهرين بعد صدور أمر رجال السلطة العامة بالانصراف.

 ولفتت إلى أن نص المادة في هذه الفقرة جاء واضحاً وجلياً جاعلاً من توافر أركان جريمة التجمهر على الوجهة المبينة به في حق أي شخص فعلاً مؤثماً، وهي جريمة لا يمكن إثباتها بمنأى عن تدخل سلطة الاتهام بالتدليل على توافر أركانها بالشروط المحددة، وتحديد المحكمة الدستورية للمادة ٣٤ من قانون أمن الدولة رغم تأكيده دستورية المادة فإنه أكد ضرورة توافر جملة من الضوابط يتعين توافرها حتى يتم تجريم واقعة التجمهر، ومن دون توافر أي من تلك الأركان فإنه يتعين على المحاكم أن تقضي بعدم توافر جريمة التجمهر المنصوص عليها وفق المادة ٣٤ من قانون الجزاء المعدل رقم ٣١ لسنة ١٩٧٠، كما اشترطت «الدستورية» على جهات الادعاء العام التدليل على توافر تلك الأركان وبيان شروطها المحددة.

وبشأن قضية التجمعات فقد أكدت المحكمة الدستورية في ما يخص التجمعات جملة من الضوابط على النحو التالي:

 ١- إن حق الأفراد في التجمع بطبيعته، وإن كان من الحقوق الطبيعية التي احتواها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكفلها الدستور، لا يقتصر أثره على الفرد الذي يتمتع به بل يمتد إلى غيره من الأفراد وإلى المجتمع ذاته، لذلك لم يطلق الدستور هذا الحق بل جعل جانب التنظيم فيه أمراً مباحاً.

٢- إن ممارسة حق التجمعات يكون وفق مقتضيات النظام العام بمدلولاته المتعارف عليها، وهي الأمن العام والسكينة العامة.

٣- إن ممارسة حق التجمعات يكون عن طريق الحصول على ترخيص مسبق لعقدها من السلطة الإدارية المختصة، على أن يذكر في طلب الترخيص الزمان ومكان التجمع.

٤- إن تقدم الفرد بطلب الحصول على ترخيص للتجمعات لا يعني قبول طلبه، وللسلطة الإدارية المختصة أن ترفض منحه الترخيص اللازم إذا رأت أن المصلحة من عقد التجمعات تتعارض مع مصلحة المجموعة، ومن شأنها أن تشتت أجهزة الأمن وتؤدي إلى ضياع وقتها في المحافظة على النظام، وهو ما يضر بالمصلحة العامة.

٥- إن حق الأفراد في التجمع يدخل في نطاق الحقوق التي يملك المشرع إزاءها سلطة تقديرية واسعة عن تلك التي يباشرها بالنسبة إلى حق الأفراد في الاجتماعات العامة.

٦- إن التجمعات في الطرق والميادين العامة إنما تمس حقوق وحريات الآخرين لما عسى أن يترتب عليها من إعاقة حركة المرور، وتنقل المواطنين والاضرار بمصالحهم، وتعطيل الحركة الاقتصادية، وتهديد السكينة العامة، وبالتالي فإن للمشرع أن يقيم من خلال ما يسنه من تنظيم تشريعي ما يحقق أسباب التوسط والتوازن بين اعتباري الحرية والنظام العام، والتوفيق بين متطلباتهما معاً بحيث يكون التنظيم كافلاً لهذه الحرية من جهة، وحافظاً للأمن العام والنظام من جهة أخرى.

٧- شددت المحكمة على أن إخضاع التجمعات لقيد الترخيص السابق في حد ذاته لا يعد خروجاً على منطق الحرية، إذ لا يعدو ذلك من قبيل الإجراءات الوقائية، ولا يعني إهداراً للحق في التجمع أو تقويضه أو الانتقاص منه أو انتهاكه، فالترخيص إجراء وقائي لتجنب ما عسى أن يحدث أثناء التجمع من اضطراب، وحتى تتمكن السلطة من اتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات كفيلة باستتابة الأمن ومنع الاعتداء على الأشخاص والأموال، وتغليباً لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

٨- أكدت المحكمة أن السلطة الإدارية لا يمكنها أن تستعمل سلطتها برفض ترخيص عقد التجمعات العامة، بما يقضي بعرقلة حق التجمع أو تقييدها هذا الحق إلا في حدود ضرورة، وأن يكون رفضها مسبباً، وألا يكون الرفض مشوباً بإساءة استعمال السلطة، كما أكدت أن القضاء سيكون رقيباً على قرارات الحكومة برفض التجمعات.

٩- شددت المحكمة على أن هناك فرقاً بين حق الاجتماع العام الذي أكدت عليه في حكمها الصادر بعدم دستورية المواد المنظمة لمخالفتها الدستور وبين حق التجمعات العامة، وذلك بحسب طبيعتهما، وان كانا يتفقان في كونهما وسيلتين للتعبير عن الرأي وحق التجمع وبحكم تكوينه ادى إلى تعطيل الحياة اليومية وحرية الأفراد، الأمر الذي يستوجب الحصول على ترخيص، وأن عدم الحصول عليه يبرر للسلطة العامة ممثلة بوزارة الداخلية ضبط المخالفين وإحالتهم إلى القضاء بتهم عدم الحصول على ترخيص.

رأي أقلية أعضاء الدستورية

بعد أن صدر حكم المحكمة الدستورية في قضية التجمعات والتجمهر برأي أغلبية أعضاء المحكمة في أول حكم دستوري يصدر في تاريخ المحكمة الدستورية، تضمّن الحكم تفعيلا لقانون إنشاء المحكمة رأي الأقلية المعارضين لتوجه الأغلبية المؤيدة لسلامة النصوص المطعون بدستوريتها.  

ورأت أقلية أعضاء المحكمة الدستورية، وهما عضوان من أصل خمسة أعضاء في المحكمة الدستورية عدم دستورية النصوص المطعون بعدم دستوريتها، وبأن نصوص قانون التجمعات المطعون بها تخالف نص المادة 44 من الدستور، لأن المادة الرابعة من قانون التجمعات تعتبر أن الأصل في التجمعات هو الحظر والاستثناء هو الإباحة، وهو ما يعيق على الأفراد ممارسة حقهم في التجمعات العامة.

وعن المخاوف الأمنية من تلك التجمعات، قالت أقلية المحكمة الدستورية إنه بإمكان رجال الأمن التدخل لفض أي حدث اثناء تلك التجمعات، وهو ما يفهم من رأي الأقلية بذلك بأنه لا يوجد أي رابط بين تمكين الأفراد من ممارسة حقهم في الحصول على ترخيص وبين التخوف مما قد يقع منهم في المسقبل في ذلك التجمع، وقد لا يقع.

ورأت الأقلية أنها ترى عدم دستورية المواد، لكونها مرتبطة بحكم عدم الدستورية الذي أصدرته سابقا بعدم دستورية 9 مواد من القانون.