«حبة المهدئ» العراقية انتهت... وأزمة المال تطيح مزاج التسوية

خمسة أشهر من «الانسجام» داخل ائتلاف السلطة في العراق، كانت كافية لانتهاء مفعول «حبة المهدئ» التي أوجدت مناخاً سياسياً جديداً، حيث جرى تسهيل الاتفاق النفطي النادر مع أربيل، وجعل السنة واثقين للحظة، بتسوية تخصهم لامتلاك دفاع ذاتي وصلاحيات إدارية، وإلغاء اجتثاث نخبتهم الإدارية والعسكرية على خلفية بعثيتها، لكن التفاؤل يتبخر، مرة بسبب الاقتصاد المريض، وأخرى بسبب انتعاش نفوذ طهران.

فقد أنهى الاتفاق النفطي سنوات توتر مع الأكراد على حق التصدير، والتزمت أربيل بتصدير نصف مليون برميل يومياً مقابل حصتها من الموازنة، ورغم بدء ضخ البترول فإن بغداد لم تسلم كردستان ما يكفي لدفع رواتب موظفيه، وبينهم 200 ألف يقاتلون «داعش» دون معاشات منذ شهرين.

وترد بغداد أنها لا تمتلك المال إثر انهيار أسعار النفط، وتقدم وعوداً بأن تدفع بمجرد تحسن الأسعار، لكن الأكراد يطرحون تساؤلات تعكس الكوميديا الإدارية في البلاد: فعراقي نينوى تحت حكم «داعش»، يتسلم حوالة شهرية بمرتبه مرسلة من بغداد، بينما لا يساهم بشيء في الاقتصاد الوطني، والمواطن الكردي الذي يبيع نصف مليون برميل لمصلحة بغداد، ويقاتل ضد «داعش»، لم يتسلم معاشه منذ شهرين! كما يتساءل الأكراد أيضاً: كيف تبرم بغداد صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، وهي عاجزة عن دفع مرتبات المقاتلين؟

ويتعقد الأمر، إذ إن هناك 600 ألف موظف في المصانع العراقية (لا تكاد تنتج شيئاً منذ غزو الكويت عام 1991) يخرجون يومياً في تظاهرات، من بابل حتى البصرة التي قطعت الطريق إلى مينائها يوماً كاملاً، احتجاجاً على عدم تسلم المعاشات، كما جرى تسريب وثيقة تفيد بأن بغداد ستضطر إلى دفع المرتبات الاعتيادية الأخرى مرة كل 40 يوماً، وربما 50، بسبب نقص السيولة الحاد وفاتورة الحرب المتصاعدة، وهي حرب لا تحقق سوى وقف نسبي لتقدم «داعش».

وبينما تبحث بغداد عن حلول لهذه المشاكل الكبيرة والجديدة، مع موظفي مصانعها (الشيعة في الغالب) وحلفائها الأكراد، فإنه لا يوجد تصور سياسي مشجع على تهدئة معقولة بشأن المطالب السنية التي تدعمها واشنطن وتعارضها طهران، وتصيب حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي بأشد دوار منذ تسلمه مهامه في الخريف.