استيراد وتصدير

  • 19-05-2014

لربما تعبتم قرائي الأعزاء، وتعبت أنا معكم من تكرار جملتي هذه، لكن ما باليد حيلة، وما يجبرك على مر الكلام سوى الأمرّ منه من الفعل. تحتاج حكومتنا إلى مستشارين إعلاميين يساعدونها في تصريحاتها ويشيرون عليها بما يجب أو لا يجب أن يقوله أعضاؤها وتوقيت هذا القول. ما من سوء أو إساءة، بل ستكون تلك أفضل أموال تصرفها حكومتنا، حيث سيجدون لها مردوداً مباشراً وعلى أرض الواقع.

فأن يظهر السيد مدير عام الإدارة العامة للجنسية ووثائق السفر مازن الجراح، ومن وقت قريب وكيل الوزارة (ألف مبروك)، على برنامج تلفزيوني، وهو برتبته وعضويته في الأسرة الحاكمة ويقول ما قال، فلابد للزلازل أن تزلزل والبراكين أن تنفجر، لكن لا شيء تزلزل عندنا ولا انفجر، لأن الحكومة تقول قولها هذا وتستغفر الله لي ولكم، و"تصفن" تماماً إلى أن تفوت الغضبة وينسى الناس. لربما هي لا تحتاج إلى مستشارين إعلاميين لأنها تعتمد خطة "قل وسينسون بعد حين"، لكنها خطة غير ناجحة تماماً لأنه في ناس أمثالي، يحملون الضغائن وقلبهم أسود ولا ينسون، وسيبقون يذكرون الآخرين في الطالعة والنازلة، على أشياء ما تسوى، وإلا تسوى؟

خلينا نشوف. يقول السيد الجراح إننا في الكويت ليس لدينا "بدون" بل هم "مقيمون بصورة غير مشروعة". في الحقيقة هم مسجلون في جهازكم المركزي "كمقيمين بصورة غير قانونية"، نعم، هناك فرق بين غير المشروع وغير القانوني، فغير المشروع تعني مخالف لقانون فيستحق عقوبة، وغير القانوني تعني غياب القانون أصلاً حول الوضع، والشيء بالشيء يذكر، الجهة المسؤولة هي في الواقع "الجهاز المركزي" وليس "اللجنة المركزية" كما استمر السيد الجراح في تسميتها. يستكمل السيد الجراح فيقول إن القضية طويلة "قبل لا ينولد هو" حتى، إذاً "مقيمين بصورة غير مشروعة" ولهم في الكويت ما يزيد على الخمسين سنة على أقل تقدير؟ متى يصبحون "مشروعين" إذاً؟ بعدها يقول الجراح إن هؤلاء تمت معاملتهم لسنوات طويلة ككويتيين، وذلك إلى سنة 90 تلميحاً بأن المعاملة تغيرت بعد معطيات الغزو والتحرير، وعلى إثر "التقارير الأمنية"، وهو التلميح المعيب في ظل ظهور "وثيقة الضغط" السرية (سابقاً) لسنة 86 والتي حثت على التضييق على هؤلاء، ومنعهم من سبل الحياة الطبيعية وصولاً لتهجيرهم أو إظهارهم لجنسياتهم الأصلية، وهي السياسة التي لم تمنع البدون من أن يقدموا حياتهم أثناء الغزو من أجل الكويت. التاريخ لا ينسى، والحقائق لا تتغير.

بعدها أخبرنا السيد الجراح أن الكويت هي الثالثة في أعداد البدون بين الدول الخليجية، وإن صدقت المعلومة، فتلك متوقعة ومبررة تماماً إذا ما أخذنا أعداد مواطني هذه الدول مقارنة بالكويت، فكما أشار السيد الجراح، الأولى في أعداد البدون هي السعودية، وذلك متوقع لأن السعودية هي ذات التعداد الأكبر من المواطنين بين دول الخليج. يعني هذه معلومة لا تضيف شيئاً إن لم تزد في إدانتنا في الواقع كوننا أتينا في المرتبة الثالثة على صغر تعدادنا السكاني، مرة أخرى، إن صدقت الأعداد.

بعد ذلك، تتلخبط الدنيا، وأكاد لا أفهم، ولربما لا أريد أن أصدق ما قيل، فالسيد الجراح يقول إن هناك دولة عربية مستعدة لإعطاء جنسيات وجوازات سفر "للمقيمين بصورة غير مشروعة" كلهم دفعة واحدة بناءً على اتفاقية مع هذه الدولة، لكن السيد الفضالة، جزاه الله خيراً، أوقف المشروع لحين أخذ توقيع رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان عليها، لمَ؟ "حتى لا نقع في المشكلة السابقة اللي كانت" يقول السيد الجراح "عطوا جوازات وبعدين أنكروها الدول هذي، فهذي تصير وثيقة رسمية ومعتمدة، يعني ما في تشكك البرلمان ورئيس الحكومة والدولة، يعني ما في شك". سقطتم من فوق كراسيكم القراء الأعزاء؟ إذاً هناك اتفاقية لشراء جنسية وجوازات؟ "صفقة" كما أسماها السيد الجراح؟ ستشترون جنسية هذه الدولة لأبناء الكويت الذين عاشوا هم وأبناؤهم وأحفادهم على أرضها لما يزيد على الخمسين سنة دون أن يكون لهم أي ارتباط بها؟ دون وجه حق؟ دون رضاهم وقبولهم؟ دون انتماء؟ بيع وشراء؟ استيراد وتصدير؟ أليس هذا نوعاً من التزوير المدفوع الأجر؟

يقول السيد الجراح إن السيد الفضالة يريد أن يتريث حتى لا يحدث ما حدث في السابق من إنكار دولة بائعة للصفقة المعتمدة، مما أوقع الكويت في حرج كما يبدو من كلام المتحدث. إذاً فالكويت عقدت صفقات في السابق وألصقت جنسيات غير حقيقية ببدونها؟ هذا إقرار واعتراف بذلك؟ سبق أن تمت صفقة تزويرية وفشلت؟ وتقولونها في وجوهنا هكذا دون أي تجميل أو تغيير أو تحوير؟ ألم يصرح السيد الفضالة بمعرفته بجنسيات ما يقرب من 67 ألفاً منهم وأن لديه إثباتات حولها؟ كيف تشترون إذاً جنسية لهم وهم يمتلكون إثباتات جنسيات من دول أخرى؟ أين القانون، أين الحق، أين المنطق، أين العدل، أين الضمير، في كل ما قيل؟ طيب بلاها هذه جميعاً، أين التراتبية في التصريحات؟ تقولون الشيء وتنقضونه؟ عندهم جنسيات، وعندنا إثباتات ولكن سنشتري لهم جنسيات دولة مختلفة. معنا في الكويت منذ سنوات طوال، وسبق أن حاولنا "بيعهم" لدولة أخرى، وسنعيد الكرة. هل صدقتني أذناي؟

السيد اللواء مازن الجراح، ألف مبروك المنصب الجديد، أول هدية لك على منصبك من الحكومة يجب أن يكون طاقما إعلامياً استشارياً سيدي، ليس لحضرتك وحدك، ولكن للحكومة بأكملها.

«آخر شي»:

أبا خالد، برجس البرجس، ليس هناك كلمات تنعاك، وليس هناك ما يعوض فقدك، وليس هناك من يملأ موقع إنسانيتك، فارقد بسلام.