«شرف البلد زي عود الكبريت»

  • 11-02-2013

في البيئة المنفتحة المتطورة تمتلك العامة قدرة جيدة على التفرقة بين الرأي الجيد والرأي الضعيف، وبين أسلوب التعبير المحترم والآخر الرخيص، هي قدرة استيعابية تطورها الثقافة العامة للمجتمع المنفتح الذي، من خلال تعدد تجاربه، يمكنه بسهولة تمييز الغث من السمين. إلا أن هذا المجتمع يستطيع كذلك التمييز بين الرأي وما عداه، فمثلاً، أن تصف شخصاً بأنه طماع فهذا رأي، أما أن تصفه بأنه سارق فهذه تهمة تتعدى الرأي الذي لا دليل عليه إلى "حقيقة" مخيفة مؤثرة في المجتمع بأكمله والتي تتطلب دليلاً لا يحتمل الجدل.

في هذه البيئة المنفتحة المتطورة يعتمد المجتمع بأكمله على قدرة أفراده على تمييز الرأي القيم الحكيم عن غيره من الرخيص أو حتى الوضيع، وهي قدرة مهمة جداً، فهي صمام الأمان الذي يفتح باب حرية الرأي على مصراعيه أمام أفراد المجتمع، ضامناً للرأي، طالما بقي رأياً وليس كذباً أو ادعاءً تشهيرياً، مكانته المقدسة والتي تنتصر حتى على أسلوب التعبير الرخيص إن استعمل لنشر هذا الرأي. إذن، في هذه البيئة الانتصار للرأي أياً كانت قيمته أو أسلوب التعبير عنه هو انتصار للمجتمع وحماية لحقوق أفراده، وهو انتصار يفوق في أهميته وقيمته حتى أهمية وقيمة الرأي الجيد، بمعنى، أن هذا المجتمع يفضل الرأي الحر وإن كان رخيصاً سيئ التعبير عن الرأي المكبل بألف حبل والمحدد بألف خط أحمر وإن كان حكيماً جميل الكلمات. هذا ويأخذ الرأي قداسة مضافة وحماية مضافة إذا ما كان موجهاً إلى مسؤول أو قائد أو حكومي في الدولة والذين تستوجب مناصبهم النقد بحكمته ورعونته، فارضة على هؤلاء المسؤولين والقادة احتمال هذا النقد واستيعابه برقيه ورخصه.

الآن وقد صدرت في الكويت الأحكام على ثلاثة من النواب بالحبس مع النفاذ، حاقت الخسارة بحرية الرأي، فانهزم هذا الحق المقدس أمام رخصه وحمقه وسوء التعبير عنه. نعم، قد تكون الآراء التي عبر عنها هؤلاء النواب رخيصة وأكثر وسيئة التعبير وأشد، لكنها كانت آراء، وجب على طبيعتها أن تحميها، إلا أن هذه الطبيعة انهزمت أمام المحظورات حتى لم يعد لحرية الرأي طعمٌ نستلذه ولا شكلٌ نستدل به عليها. وتباعاً، ما إن تسقط حرية الرأي، حتى تسقط سمعة الدولة ويكثر اللغط حول شرف ديمقراطيتها. لن تتلطخ سمعة الكويت في يوم بسوء آراء بعض مواطنيها أو برخص أساليب تعبيرهم فمثل هؤلاء المواطنين موجودون في كل دول العالم ليختبر القدر بهم ديمقراطية الدولة، إلا أن هذه السمعة ستتلطخ بالتأكيد بسبب قمع هذه الآراء وامتلاء السجون بأصحابها. مثل هذه السمعة المتلطخة تبينها حفنة من اعتقالات وأحكام قد تحدث كلها في أيام، إلا أن التخلص منها يحتاج سنوات من الغسيل والنشر والكي ليعود لها بياضها ونصاعتها.

ومع ذلك، فإن أحكام السجن هذه قد بنيت على قانون فعله القضاء، وللقضاء حرمته التي يجب أن نستوعبها جميعاً، فالقضاء ملاذنا وظلنا يوم لا ظل لنا، لذا، فالرضوخ لأحكامه وإن رأيناها حارقة لهو أهون ألف مرة من التشكيك به كمقياس حكم بيننا. فإن رمنا تغييراً، فذاك يكون بتغيير القوانين لا بمهاجمة القضاء، بتغيير العقلية المجتمعية العامة، لا بتعميق عنصرياتها والتشويه المتزايد لتصرفات أصحابها. هكذا يبدأ النضال، مع النفس بالتضحية براحتها ومصلحتها. فإن أراد النواب المحكوم عليهم أن يستمروا في لعب دور المناضلين، فعليهم أولاً أن يظهروا الاحترام المستوجب للقضاء وأن يمتثلوا لأمره، ففي ذلك حماية للمجتمع ككل وإن كلفهم السجن والأذى، وما ذلك سوى جزء من ذلك النضال الذي ادعوه وأصموا آذان الناس به. فالنضال لا يتمثل فقط بمظاهرات وصراخ وتصريحات نارية، النضال لا يأتي بلا ثمن، واليوم حان وقت الدفع، فافعلوا إن كنتم صادقين.

كل الأحداث تجري بما لا تشتهيه سفننا، حرية الرأي قمعت وانهزمت أمام رخصها ووضوح النوايا السيئة لأصحابها، كما أن أمننا تهدد بالغمز في حق قضائنا واللمز في مصداقيته، فمن الرابح في هذه المعادلة التي لا تريد أن تعتدل أبداً؟