مرحلة النضج... مزيج من المعرفة والخبرة

  • 25-08-2012 | 00:01

ما مفهوم النضج؟ هل يرتبط بالتقدم في السنّ، بمعنى أن الشباب مثلا قد يملكون مقومات الجاذبية وتواكبهم الأحلام والآمال والشكل الحسن إنما يفتقرون إلى النضج؟ أم هو مزيج من المعرفة والخبرة يزيد من قدرتنا على الإبداع بغضّ النظر عن السن؟

«النضج» هو المرحلة التي يصل فيها الشخص إلى قمة قدراته وتطوره. كذلك يستخدم مصطلح النضج في مجال التسويق للدلالة على وصول منتج معين إلى قمة مبيعاته، ويتعين على المسوق بعد هذه المرحلة دعم المنتج بحملات تسويقية إضافية للحفاظ على مستوى المبيعات نفسه.

صحيح أن النضج يعني بلوغ القمة، لكنه في الوقت نفسه مؤشر إلى أن التراجع أو الهبوط بات وشيكًا. هكذا، تكون الفاكهة الفجة غير لذيذة، بينما الفاكهة الناضجة ذات مذاق رائع ومثالي، والفاكهة الفائقة النضج ذات شكل ومذاق سيئين! قد يكون استهلاك الفاكهة الفجة أو الفائقة النضج ضارًا. لحسن الحظ، الأمر مختلف بالنسبة إلى الإنسان!

نضج جسدي

النضج الجسدي هو الوقت الذي يصبح فيه الإنسان راشدًا وقادرًا ليعمل على تطوير ذاته، بالاستناد إلى قوته وليونته الجسدية. بحسب العلماء، ينضج الإنسان فسيولوجياً بين سن الـ30 والـ35 عاماً، ويرتبط النضج الجنسي ارتباطًا وثيقًا بالنضج الجسدي، لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى الخصوبة عند النساء، إذ تكون مرحلة النضج بين سن الـ20 والـ30 عاماً على أبعد تقدير. تبقى المرأة قادرة على الإنجاب بعد هذه المرحلة، لكنها تواجه انخفاضًا في مستوى خصوبتها.

نضج فكري

يختلف النضج الفكري عن النضج الجسدي. تؤكد الدراسات أن خلايا الدماغ العصبية، عكس الخلايا الأخرى، لا تفقد من قوتها وحيويتها مع التقدم في العمر (إلا في حال تعرض الدماغ للإصابة)، شرط أن يستمر الدماغ في العمل يوميًا! إذاً يصعب تحديد توقيت حدوث النضج الفكري، خصوصًا أنه يختلف بين شخص وآخر.

رسم بيكاسو لوحة «الغيرنيكا» وهو في السادسة والخمسين، وأخرج سيسيل دو ميل «سانسيت بولفار» وهو في الواحدة والسبعين، بينما كان موزارت موسيقيًا موهوبًا منذ السادسة عشرة من عمره... ذلك كله يدلّ على أن ابتداع الروائع ليس مرتبطًا بسن معينة، إذ قد يكون المبدع في الخامسة والعشرين من عمره وقد يكون في السبعين. يختلف سن النضج الفكري من شخص الى آخر، ويحدد المسار الشخصي توقيت بلوغ الإنسان مرحلة النضج الفكري الخاص به.

نضج عاطفي

يتبلور النضج العاطفي والنفسي في المرحلة التي يشعر فيها الشخص بأنه متمكّن من قدراته الجسدية والفكرية وبخاصة العاطفية، وأكثر تحكمًّا بذاته من دون أن يؤثر ذلك على قدرته في التعبير عن مشاعره.

غالبًا ما يتهم المراهقون «بقلة النضج»، وقد يطاول هذا الاتهام طلاب الجامعات أيضًا، وحتى بعض المنخرطين في سوق العمل. عادة يكون المتهمون بقلة النضج شبانًا يافعين، أما أن يتهم رجل في الأربعين بأنه قليل النضج فتلك إهانة له، ومعناها أنه فشل في اكتساب صفات البالغ الراشد على رغم تقدمه في السن.

يركز علم النفس على الناحية العاطفية للنضج، بينما يرتبط النضج الجسدي والفكري بالجهود والاهتمامات الشخصية التي قد تقود الشخص إلى القمة سواء جسديًا أو فكريًا.

للمشاعر تأثير قوي على شخصيتنا وعلى ما نظهره من نضج، فقد يكون شخص ما بارعًا وجادًا جدًا في عمله، لكنه غير قادر على التعبير عن نفسه أمام الآخرين بسبب شعوره بالضيق الشديد. يعزى هذا التصرف عادة الى كونه «ما زال يافعًا» أو عديم النضج، أو بمعنى آخر عديم الخبرة.

إلام يستند النضج؟

يستند النضج إلى:

- القدرة على: تحليل وضع ما وتقييمه، السيطرة على ردود فعلنا إزاءه، ايجاد حلول ناجعة له.

- معرفة الذات، معرفة حسناتنا وسيئاتنا وحدود قدراتنا.

- تقبل الآخرين وعدم محاولة تغييرهم بأي ثمن.

التوصل إلى هذا المستوى من الفهم هو نتيجة طبيعية للخبرات والتجارب التي يعيشها الإنسان في حياته، وتؤدي في النهاية إلى اكتسابه مستوى من النضج. لا نصل جميعنا إلى مرحلة النضج في سن محددة مسبقًا، فالتجارب التي يعيشها كل إنسان مختلفة، كذلك تختلف قدرة كل شخص على استخلاص العبر والتقدم في الحياة. الأمر المؤكد أننا نحتاج بضع سنوات لاكتساب شيء من الحكمة التي تمكننا من بلوغ مرحلة النضج.

ماذا بعد؟

ماذا عن المرحلة التي تلي تحقيق النضج؟ ماذا عن المستقبل؟ أليس التقدم في السن مرادفًا لتراجع القدرات الجسدية؟ في الحقيقة، لا يكفّ المرء عن التقدم والتطور بمرور الوقت، ما دام عقله يستطيع مواكبته ذلك. يساهم تراكم الخبرات الحياتية في تحقيق مزيد من النضج الفكري الذي يخوّلنا بلوغ مستويات أعلى من الثقة في النفس والفهم والسلام ومواجهة صعوبات الحياة بحكمة أكبر.

يقول فيكتور هوغو: «من محاسن التقدم في السن أنه يتسنى لنا أن نعيش كل الأعمار بالإضافة إلى عمرنا».

8 نصائح

يعتقد كثر أن حياتهم كانت أبسط وأقل تعقيداً عندما كانوا أصغر سناً. أعرف أن الأمر يبدو أحياناً على هذا الشكل، لكن في الحقيقة ما زالت الحياة سهلة، ولطالما ستكون كذلك، الفارق الوحيد أننا كلما كبرنا زاد ميلنا إلى تعقيد حياتنا. إليك ثماني نصائح في هذا المجال.

-1 ارتكب الأخطاء، تعلّم منها، اضحك عليها، ثم امض قدماً في حياتك.

-2 استمتع بمتع الحياة البسيطة، فهي مجانية وأفضل من أي أمر قد يشتريه المال.

-3 احرص على النوم ساعات كافية، فالعقل المتعب قلّما يكون منتجاً.

-4 تجنّب الأشخاص الذي يبالغون في ردات فعلهم ويحوّلون مشكلة صغيرة إلى كارثة، ولا تخترع المشاكل لنفسك.

-5 امض بعض الوقت مع أشخاص لطيفين وأذكياء يشاركونك طموحاتك وأفكارك.

-6 كن على يقين من أنه كلما عملت أكثر، زادت حظوظك في الحياة.

-7 ثق بأن أي وضع، مهما كان ايجابياً أو سلبياً، لن يدوم طويلاً. اقتنع بهذه الحقيقة البسيطة.

-8 صحّتك هي حياتك، فحافظ عليها واخضع لفحص طبي سنوي.

فوائد

للنضج فوائد متعددة، من بينها:

- القدرة على التحليل

نقابل أنواعًا مختلفة من الشخصيات على امتداد مراحلنا العمرية: في المدرسة، في حياتنا العملية... تساهم هذه العلاقات في بناء خبرتنا في الحياة بغض النظر عن نتائجها وتأثيراتها علينا (سواء تبين أنها علاقات مخيبة للآمال أو مثيرة للاهتمام أو مجرد علاقات ودية...). كذلك تمنحنا القدرة على تصنيف النماذج العلائقية التي نقابلها والمخاطر المرتبطة بها بشكل شبه آلي، ما يساهم في تراكم خبراتنا وزيادة قدراتنا على توقع ردات فعل الآخرين وتقييمها. هكذا، نكتسب سرعة في فهم الأوضاع التي نواجهها وتحليلها، والنظر إلى الأمور من زاويا متعددة.

- السيطرة على الانفعالات

يسمح تعاقب السنوات وتراكم الخبرات والرغبة الصادقة في التقدم بأن نكتسب القدرة على السيطرة على انفعالاتنا بغض النظر عن طباعنا (سواء كنا عدائيين أو قلقين أو هادئين). صحيح أن التفاعل مع الأحداث والأشخاص أمر مطلوب، لكن يجب أن نكون قادرين على المحافظة على هدوئنا والسيطرة على انفعالاتنا عند الضرورة. قد يكون تحقيق هذا التوازن صعبًا في بعض الأحيان، إنما يصبح مستحيلاً في حال كان تصرفنا محكومًا بقانون الفعل وردة الفعل.

تساعدنا قدرة سيطرتنا على الانفعالات على مواجهة الصعوبات بشكل أفضل، وعلى معدلات الأدرينالين التي تجري في عروقنا. كذلك تسمح لنا بأن نبدو أكثر هدوءًا وتجعل حياتنا أكثر متعة.

- الثقة في النفس

الثقة في النفس إحدى فوائد النضج. قد تتبلور منذ سن العشرين، لكنها غالبًا ما تستند إلى الطبع والتربية، وليس إلى المعرفة الحقيقية. يسمح التقدم الناتج عن اكتساب المعرفة والعلم بالحصول على ثقة حقيقية في النفس، نعني بذلك تلك المبنية على أسس ثابتة وقوية والتي لا يمكن اكتسابها إلا بمرور السنوات. تمنحنا «الثقة في النفس» شعورًا بالسلام في الظروف المختلفة.

- قدرة على مساعدة الآخرين

تزيد الخبرة والنضج من قدرتنا على مساعدة الآخرين بشكل فاعل نتيجة قدرتنا المتزايدة على فهم التصرفات الإنسانية، ما يسمح لنا بتقديم النصح والمشورة لأولادنا وبمساعدة العاملين معنا على التقدم. يساهم النضج في اكتساب هذه الصفة الايجابية التي يقدرها المحيطون بنا، سواء احتاجوا إلينا أم لا. كذلك يسمح لنا بالانتقال من مرحلة التلميذ والمتدرب والمساعد إلى مرحلة المعلم الذي يستفيد من خبرته المحيطون به في المجالات المختلفة.

يقول فرويد إننا نتحول إلى ناضجين حين نتعلم كيف نحب ونعمل. للأسف، يؤخر مجتمعنا الحالي وصولنا إلى مرحلة النضج، ويدفعنا إلى العيش تحت وطأة التوتر والقلق والحركة المفرطة بحجة ضيق الوقت.

يمثل النضج مثالاً نصبو إليه، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخبرة والفهم العميق والقدرة على البذل. يصعب تحديد توقيت بلوغ مرحلة النضج، اذ يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف مسيرتهم الحياتية.