صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم... (10) بديعة مصابني... الريحاني حبٌّ وبخل

  • 22-08-2010 | 00:00

عادت بديعة بصحبة نجيب الريحاني إلى مصر في عام 1922، وأصبحت نجمة فرقته التي لفتها من بين أفرادها فتى نحيل يرتدي بنطالاً قصيراً، فسألته عن اسمه والدور الذي يقدّمه، فأجابها: «اسمي محمد عبد الوهاب ودوري هو الغناء بين الفصول»، وكان الريحاني أول من دعا عبد الوهاب إلى فرقته حيث كان مرتبه الشهري خمسة عشر جنيهاً.

تعرفت بديعة الى والدة الريحاني، التي كانت سيدة لطيفة تتمتع بخفة دم، فاحتضنتها وأحبتها وخصّتها بمعاملة مميزة، ثم فاتحتها بموضوع زواجها من الريحاني، لكن بديعة استبقت الموضوع قائلة: «أنا معجبة بنجيب الريحاني الفنان لا الزوج، فهو في هذه الناحية لا يوافقني»، فقالت لها أمه باندهاش وسخرية: «ماذا تقولين يا ست بديعة إنه نجيب الريحاني وكل الفتيات في مصر يتمنون لو يشير إليهم بمجرد إشارة»، فقالت بديعة بلطف: «معك حق، لكني أختلف عن هؤلاء»، فضحك الريحاني معلقاً على كلامهما: «إذا كنت تريدين هذه الرغبة بحق يا أمي سأحققها لك، ولكن بعد أن ترضى عني الست بديعة».

كان الريحاني قطع على نفسه عهداً بأن يسند إلى بديعة الأدوار الرئيسة في مسرحياته، فجسّدت دور البطولة «بدر البدور» في مسرحية «الليالي الملاح»، لكنه كان بحاجة إلى ميزانية تمكّنه من تجهيز الملابس والديكور وباقي متطلّبات المسرح، وفي تلك الأثناء جاءه ماتوسيان، كان صاحب ماركة سجائر معروفة باسمه، وطلب منه القيام بالدعاية لنوع جديد من السجائر، على أن يدفع له يومياً عشرة جنيهات، وخمسة جنيهات أخرى لبديعة مصابني، إضافة إلى تأمينه نفقات الفرقة والمسرح والدعاية وتحمّله إقامة كل أعضاء الفرقة في الإسكندرية لمدة شهر كامل، فوافق الريحاني فوراً، ولاقت مسرحيته نجاحاً كبيراً.

خلال عرض المسرحية في الإسكندرية جاء صديق للريحاني يدعى كمال الطرابلسي وحدّثه عن وجود مطربة جديدة لديها صوت ساحر، وقال له «إنها فلاحة صغيرة عمرها 17 سنة وستغني الليلة في مسرح محمد علي»، وطلب منه أن يذهب معه لسماعها فاعتذر الريحاني بسبب ارتباطه بالعرض المسرحي، لكن بديعة ذهبت معه فهالها الجمهور الغفير، واستمعت فعلاً الى تلك الفتاة الصغيرة وأبدت إعجابها بصوتها.

حين انتهت مدة عمل فرقة الريحاني في مدينة الإسكندرية عادت بديعة إلى القاهرة، وكان الجو آنذاك حاراً ولا يزال الناس في المصايف فشرعت الفرقة في تقديم بعض رواياتها القديمة، على أن تقدّم رواية جديدة مع افتتاح الموسم عقب انتهاء الصيف، وقد عانت الفرقة في تدبير نفقاتها إذ كان المدخول قليلاً للغاية، فالروايات ليست جديدة والقاهرة خالية من الناس.

آنذاك بدأ الريحاني بتمثيل دور المحب لبديعة، واحتلت رأسه الغيرة فلم يكن يدعها تلتقي بأحد أو حتى تتحدث مع أحد بحجة أن ذلك يفقدها بهجتها، فبادلته بديعة التمثيل بتمثيل فكانت تظهر له أنها متفانية في حبه، الى أن صارحها بحقيقة وضعه المادي وازدياده سوءاً، إذ لم يعد بإمكان شريكه مصطفى حفني أن يمده بالمال لمتابعة أمور الدعاية والإنفاق على الملابس والديكورات، فطلب من بديعة إقراضه مبلغ مائتي جنيه على أن يسدّدها لها على أقساط، أي عشرة جنيهات ليلياً إضافة إلى خمسة جنيهات مقابل عملها في الفرقة. كانت بديعة آنذاك لا تملك سوى مجوهراتها، فطلب منها الريحاني ألا تبيعها وتكتفي برهنها فحسب، على أن يعيدها إليها في أقرب وقت، فاستاءت من كلامه، الذي شكّل صدمة كبرى لها، إذ حكت كثيراً أن الريحاني كان يبتزها مالياً، لدرجة أنه كان يأخذ مرتّبها من ماتوسيان من دون أن يعطيها حقّها، وأنها حين كانت تطلب منه ذلك الحق كان يرد عليها: «ماذا ستفعلين بالنقود، فإقامتك في الفندق مؤمنة، دعكِ من النقود ووجع القلب!!.

آنذاك، كانت بديعة مشغولة بالنجاح الكبير الذي حققته في مسرح الريحاني، فقد احتلت بسهولة مكانة كبرى بين فنانات المسرح، وأصبح اسمها على كل لسان، وظلّت مسرحية «الليالي الملاح» تقدَّم لمدة ستة أشهر متتالية، ثلاث مرات في الليلة. أسعد هذا النجاح بديعة، وأسكرها بريق الشهرة، فلم تعد تهتم بمرتّبها وبما كان لها في ذمة الريحاني وتركت الأمور تسير كيفما شاءت.

كانت الفرقة تعد الجمهور بتقديم جديد من دون أن تفعل، فهجرها روادها وانخفض دخلها من مائتي جنيه في الليلة إلى جنيهين. جاء الصيف وكلّ من الريحان وبديع خيري منصرف عن التجهيز لعمل جديد للاستعداد للموسم، إلى أن جاء موعد الافتتاح ولم يكن لدى الفرقة ما تقدّمه من أعمال فارتجلت رواية الافتتاح، ما جعل الصحافة الفنية آنذاك تشن هجوماً عنيفاً على الريحاني وفرقته. ضاقت بديعة بوعود الريحاني التي لا تتحقّق، وأوشكت على الإفلاس، إلى درجة أنه لم يعد باستطاعتها دفع أقساط مدرسة جولييت، فدفعها هذا الوضع الى العودة إلى بيروت.

في بيروت

رحّب أصحاب المقاهي في بيروت بعودة بديعة ودعوها إلى العمل، فوافقت بسرعة لأنها كانت في أمس الحاجة إلى نقود، وعادت إلى الغناء في مقهى «كوكب الشرق».

لم تنسَ بديعة مسارح القاهرة والنجاح الذي حقّقته فيها، وكيف كان الريحاني يجمع بين عبقرية فنان حقيقي وإنسان غريب الأطوار، رأت أنه كان بإمكانه جمع ثروة طائلة لو أنه كلّف نفسه عناء تقديم رواية جديدة كل شهر أو كل شهرين، لِما كان له من تأثير ساحر على الجمهور، فما إن يقف على المسرح ويقوم ببعض الحركات الصغيرة حتى كانت القاعة تضج بالتصفيق، لقد كان صديقاً للإهمال والكسل، عاشقاً للنوم، فما أن يفرغ من عمله حتى يذهب إلى بديع خيري ويقضيان السهرة في الشرب والتدخين المتواصل حتى الصباح، كان يعود من تلك السهرات خائر القوى مستنفد الطاقة، ينام طول النهار من دون أن يعبأ بأي شيء آخر. عانى الريحاني الفقر في حياته، لدرجة أنه كان يقضي يومه في فترة من الفترات على طبق فول طول اليوم، لكنه لم يتعلّم من دروس الحياة وينتبه إلى أن لديه أكبر الفرص في جمع الأموال، فعاش حياته غارقاً في الديون، إذ كان يعيش ليومه من دون النظر إلى الغد.

على رغم ذلك كلّه، كان دور الريحاني العامل الرئيس في صقل موهبة بديعة الفنية، لذا لم تستطع العمل مع فنان غيره، فهو الذي علّمها اللهجة المصرية، وكان سبب شهرتها، إذ بعد التعرّف إليه أصبحت تدرك أصول التمثيل وقوانين الفن المسرحي، واستطاعت بفضله احتلال مكانة كبيرة في المسرح المصري، فلقد حققت شهرتها في سورية ولبنان وفلسطين، إلا أن شهرتها في مصر جاءت منذ بدأت العمل في فرقة الريحاني، لكن حياته الغريبة والظروف الضاغطة في مصر دفعتها الى الفرار منه والعودة إلى بيروت لتعمل في «كوكب الشرق».

العودة إلى الريحاني

قررت بديعة بيع ممتلكاتها كافة في بيروت، ولما اعترضت شقيقتها نظلة برّرت لها بأنها ستبني مبنى كبيراً في مصر، وتؤجّره فيفوق دخله هذه البيوت كافة، ثم قررت السفر إلى حلب معشوقتها الكبيرة، لكن الريحاني أرسل لها من يخبرها بأنه يعد مجموعة من الروايات الجديدة، وأنه يتوقع لها النجاح نفسه الذي حقّقته «الليالي الملاح»، وأنه وُفّق بشريك جديد وممول يدعى علي يوسف سدَّد كل ديونه، كذلك أكد لها أنه قطع عهداً على نفسه بأنه سيقدم رواية كل شهرين على الأقل.

سُعدت بديعة بتلك الأخبار وقررت العودة فوراً إلى مصر، وكان حصيلة بيع ممتلكاتها خمسمائة جنيه فقط وضعتها في حقيبتها وعادت بها إلى مصر لتفكّ رهن مصاغها، وتدفع أقساط مدرسة جولييت. استقبل الريحاني بديعة بشوق كبير، ثم اصطحبها إلى منزله الجديد، الذي كان جهّزه لها، إلا أنه كان خالياً من أي أثاث، فوعدها بأنه سيشتري أفخم الأثاث بعد الانتهاء من عرض الرواية الجديدة.

الرواية التي قدّمها الريحاني لم تكن جديدة بل عرضها سابقاً لكنه أجرى بعض التعديلات عليها، ومع ذلك حققت نجاحاً كبيراً، لكن ما لبث أن عاد الريحاني الى حياته السابقة يسهر الليل وينام النهار، وعادت بديعة لإسداء النصح له وإقناعه بالعمل مجدداً، حتى تملّكها اليأس فأخذت تهدده بأنها ستتركه وتهرب ثانيةً، إلا أنه لم يعبأ بما كانت تقوله.

كانت بديعة فهمت الريحاني جيداً، فطالما في جيبه مال ولو قليل ركن إلى الكسل وترك العمل، وقد قالت بديعة عنه: «كان نجيب أنانياً لا يفكر سوى في نفسه، وفي ما يعود عليه بالنفع، ولا يهتم بغيره إطلاقاً، وكان إذا ضاقت به الدنيا لا يجد أي صعوبة في أن يستدين ومن أي شخص كان، كان الدافع وراء ذلك شعبيته ومحبة الناس له، وما إن يأتي موعد تسديد الدين كان يتوارى بعيداً عن الأنظار، وذات مرة أراد أن يشتري أقمشة من «شيكوريل» لوازم الستائر المسرحية وثياب الممثلين، وكان يشاع عنه أنه لا يرد ديناً، فأرغمه صاحب المحل على التوقيع على سند خطي بالدفع في موعد أقصاه مدة معينة، وما إن انقضت المدة من دون أن يدفع حتى حُجز على أملاكه، وكل ما يملكه آنذاك، ونشرت الصحف إعلانات البيع بالمزاد العلني، كذلك تحدّد موعد البيع وهو غافل عن الأحداث من حوله، وكان إذا ما سأله أحد عما كتبته الصحف كان يضحك ساخراً في وجهه، حتى جاء موعد البيع فأحضر مأمور الشرطة الإجراء وبدأ في بيع ما كان موجوداً في المسرح، كان نجيب في هذه اللحظة غارقاً في نومه، وإذا ما تجرأ أحدهم وحاول إيقاظه، كان ينفجر في وجهه: «دعهم يأكلون بعضهم»، حتى أقبل أحد أصدقائه ورسي عليه المزاد، فحصل على أمتعة المسرح بأبخس الأثمان، وصار يؤجّرها لنجيب لقاء مبلغ معين».

اقترحت بديعة على الريحاني تقديم رواية «الليالي الملاح» إلى أن ينتهي من إعداد الرواية الجديدة، فوافق فوراً، وبالفعل كانت فكرة صائبة إذ أقبل الجمهور على المسرح لمدة خمسة عشر يوماً، إلا أنه شعر بالملل والضجر بعد ذلك، فخفّ إيراد الشباك، وانقطع الرواد عن مسرح الريحاني والمحبون لفنه ولخفة ظله النادرة التكرار، ففاتحته بديعة بأمر الرواية الجديدة، إلا أنه سرعان ما غضب ولم يكلّف نفسه عناء الرد، فاستاءت من تصرّفه، وفكّرت في هجره نهائياً والعودة إلى موطنها.

لم يفارق الريحاني خيال بديعة، فقد رأت فيه الإنسان البوهيمي الذي كان يفعل ما يحب، بصرف النظر عن طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، ولكن إذا كان هذا الفنان البوهيمي أحد أكبر الفنانين العرب، فإلى أي مدى يستحق أن نغفر له أخطاءه وهفواته؟ عاشت بديعة بالقرب من ذلك الفنان الكبير، لدرجة جعلتها تعرفه أكثر من أي إنسان يدّعي معرفته.

قبل عودتها إلى لبنان خطرت في بال بديعة فكرة إقامة حفلات في مدينة الإسكندرية، إلى أن يأتيها الفرج، وينتهي الريحاني من إعداد الراوية الجديدة، فرحّب الأخير بفكرتها وطلب من علي يوسف، متعهد الحفلات وممول روايات الريحاني، أن يجهز لهما كل ما يحتاجان إليه في الإسكندرية، وبالفعل وقّع اتفاق بينهما على خمس عشرة حفلة يتم إحياؤها في الإسكندرية. ذهبت بديعة برفقة الريحاني ويوسف إلى الإسكندرية وبدآ بالتمثيل على مسرح الهمبرا، فأقبل الجمهور عليهما إقبالاً لا مثيل له.

ليلة وفاة أمه

في إحدى الليالي وفيما كان الريحاني يؤدي دوره على المسرح والجمهور في أوج الضحك، وصل إليه خبر وفاة والدته السيدة لطيفة، التي كانت بالنسبة إليه أغلى إنسانة في الدنيا، إذ كان يحبها حباً كبيراً. وقع عليه نبأ رحيلها كالصاعقة فتسمّر في مكانه، بينما كان الجمهور ينتظر أن يتابع الريحاني دوره في الرواية، فعاد إلى المسرح مسرعاً وعيناه ممتلئة بالدموع، وتابع دوره فكان حين ينفجر الجمهور من شدة الضحك يذهب الريحاني في نوبة بكاء ساخنة، فيعتقد من يراه من الجمهور أن هذه الدموع ما هي إلا من أثر الضحك والاندماج في الدور، وما أن انتهت الرواية حتى سقط الريحاني على الأرض مغشياً عليه، وبعدما فاق بدّل ملابسه واصطحب أخويه توفيق ويوسف، واستقلوا قطار الصعيد ليتمكنوا من وداع والدتهم الوداع الأخير.

بعد عودة الريحاني من الصعيد اقترحت عليه بديعة أن يلغي الحفلة إلا أنه رفض رفضاً شديداً، وقال لها: «واجبي كفنان يحتم عليّ الوفاء بما تعهدت به للناس، وهل تأجيلي لحفلة اليوم سيساهم في أن أنسى والدتي بهذه السهولة؟ ثم أشار إلى العمال أن يرفعوا الستار، وكان المسرح في تلك الليلة ساكناً على الرغم الجمهور الغفير الذي حضر.

ما إن اعتلى الريحاني المسرح حتى تعالت عاصفة من التصفيق، فشعر بأن جمهوره يقاسمه حزنه وأنه ليس بمعزل عنه، وقدّم دوره بمهارة وإتقان غير مسبوقين، ونجح في التأثير في الجمهور، فاختلط لديه البكاء بالضحك، وبدا كأنه إنسان آخر اعتلى المسرح. كانت بديعة تراقبه من خلف الكواليس لأنها خشيت أن يغلب عليه الحزن ويتوقّف عن أداء دوره، وفي تلك اللحظة فحسب أدركت أنها كانت تجهل أموراً كثيرة في ذلك الفنان. بعد انتهاء الحفلة أقبل الجميع على الريحاني يهنئونه، فألقى عليهم نظرة يملؤها الحزن ثم قال: «قد أكون رفّهت قليلاً عمّن هو أتعس مني... من يدري!}.