ليس بعد... أيها الموت

  • 19-07-2010

ليس بعد، لم تهبط الفكرة إلى أعماق النفس، ولم تستقر في المعدة فتقلصها بألم لا فكاك منه، تنهمر بعدها الدموع، وتبدأ عندها رحلة حداد تمسح على القلب بهدأة الحزن، وتعينه على الاعتراف بالفقد، ثم يبدأ النسيان، ويسير ركب الدنيا... ركب دنياي وقوفاً منذ سمعت خبر وفاة د. نصر حامد أبوزيد، لم تهبط الفكرة إلى نفسي وقلبي انشغالاً بأحداث محلية حرمتني الحزن اللائق، ورفضاً لنهاية معيبة سوف يلاحقنا بها التاريخ، مضيفاً إياها إلى قائمة ذنوبنا التي لا تغتفر.

أحلم دوماً بالنهايات السعيدة، حيث يسدل الستار، وقد ظهر الحق ووقف الجمهور بجموعه محيياً البطل، راداً له اعتباره ومجلاً منه عمله، لكن... ليس في هذا الزمان، وليس في هذا المكان... ستائرنا تهبط على البطل يتلقى الطعنة الأخيرة، والقاتل يقهقه عالياً والجموع تهتف باسمه، وهي ترتجف مع ارتجاف حبات سبحته الذهبية الثمينة.

لقد ترك د. أبوزيد ثروة بحثية في الدراسات الإسلامية ستحدث نقلة نوعية في حياة المسلمين في مستقبل، قد يكون بعيدا، يقرأ فيه الناس ويثقون بعقولهم أكثر من لحى غيرهم، ويستوعبون في أيامه أن الشريعة هي، كما يدلل عليها اسمها، ماء جار، لا مفر من أخذها خطوات قفزية ضخمة عبر الزمان لتتواءم، وتغيرات حياة البشر ومتطلبات العلم والتطور، وأن دورهم هو «استغلال» هذا الطبع العقلاني في المنهجية الإسلامية لتطوير الفكر والفلسفة، ومن ثم تطوير منهجيات حياتهم الاجتماعية والثقافية.

يبقى كتاب «دوائر الخوف» للراحل أبوزيد من كتبي المفضلة، قد يكون ذلك لتعامله المباشر مع الشؤون النسائية الإسلامية التي هي في صميم اهتمامي، ومن جماليات ما ورد في هذه الدراسة هو بحث الدكتور أبوزيد لمنطق القوامة التي يصر على أنها «ليست تشريعاً بقدر ما هي وصف لحال، وليس تفضيل الرجال على النساء قدراً إلهياً مطلقاً بقدر ما هو تقرير للواقع المطلوب تغييره تحقيقاً للمساواة الأصلية، فالدرجة التي للرجال على النساء فرع من أصل: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف» (البقرة/228) أي بحسب التقاليد والأعراف المستقرة في المجتمع ( 214).

ومن أكثر ما أثار إعجابي في هذا الكتاب هو دراسة مصغرة للدكتور حول موضوع الميراث، والذي يستشهد فيها بدراسات للإمام محمد عبده في تحليله للعبارة «للذكر مثل حظ الأنثيين»، حيث يقول الإمام «فكأنه جعل إرث الأنثى مقرراً معروفاً، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولاً عليه، يعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال: «للأنثى نصف حظ الذكر» وعليه يتساءل الدكتور عما يمكن أن يكون المغزى القرآني ها هنا: «إن لم يكن خلق توازن بين محورين ساد أحدهما وسيطر، واستأثر بكل قيمة إنسانية واجتماعية واقتصادية، وهذا هو محور الذكر؟» (231-232).

هذا، وقد تكون مقدمة الكتاب من أجمل ما قرأت في فلسفة العلاقة بين المعاصرة والدين، فيقول- رحمه الله- «إن التمسك بالمعاصرة على مستوى الحياة المادية، والإصرار في نفس الوقت على التفكير كما كان يفكر السلف، يمثل حالة من الانفصام المرضي»(11)، مؤكداً أهمية «استعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن نتفهم مستويات المعنى وآفاق الدلالة، فنستطيع التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم يتنبه لها أسلافنا»(11).

تلك لمحات من جماليات فكرية للدكتور الراحل قابلها عالمنا العربي والإسلامي المريض بالتجريم والتكفير والنفي... لقد انتهى عصر حرق الكتب منذ زمن، إلا في منطقتنا المنكوبة، يستطيع المرء أن يرى ألسنة اللهب ترتفع من بعد قارات، فيعلم أن المقصلة رفعت، وأن الفكر هزم، وأن النيران شبت في فكر تقدمي جديد ليعتاش الماضي مقتاتاً على تطور الحاضر في حالة مرضية سيكوباتية تعادي التطور الطبيعي الزمني والجسدي والعقلي للإنسان.

توفي الدكتور ولم يتغلب على «المرارة» (5) التي استهل بذكرها كتابه، تلك المرارة الناتجة عن تجارب أجبرته «أن يهجر وطنه وأهله، وأن يحرم من طلابه، غرس يديه وثروته الحقيقية ويقرر الحياة في المنفى» (5).

قد تزول المرارة بالموت يا دكتور، وبوجود اسمك الكريم في قائمة العلماء التنويريين الذين علقت أعمالهم وأحياناً أجسادهم على المحارق، وليس في قائمة «فوربس» لأغنى أغنياء الدعاة الجدد.

ذاك كل ما نملك أن نعتذر لك به يا دكتور، فسحة صغيرة في قائمة طويلة بأسماء كتبت بدماء طاهرة هي وحدها تصدّ عنا تخلف، الأيام وتذكرنا بما يمكن أن يكون وتبشرنا بقادم، وإن بَعُد، مضيء بنور الشمس لا بلهيب المحارق.