صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5101

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الناتو» يتوسّع في شمال أوروبا

حين تنضم فنلندا والسويد إلى الناتو، فلا مفر من أن تتغير الهندسة الأمنية في شمال أوروبا، وسيجلب كل بلد قدرات عسكرية كبرى إلى الحلف، فتحتفظ فنلندا بجيش فيه عدد كبير من عناصر الاحتياطي، وتملك السويد قوات جوية وبحرية قوية، أبرزها الغواصات.

قبل أن يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا، لم تكن مسألة عضوية الناتو جزءاً أساسياً من الجدل السياسي في فنلندا والسويد، حيث يحمل هذان البلدان تاريخاً طويلاً من عدم الانحياز العسكري، ورغم سعيهما إلى تكثيف تعاونهما مع الولايات المتحدة والناتو، لم يكن الانتساب إلى الحلف مسألة مُلحّة يوماً.

لكن غيّر غزو بوتين لأوكرانيا الوضع كله، ورداً على العدوان الروسي، يتجه البلدان إلى إعادة تقييم سياستهما الأمنية، ويبدو أن محاولة الانتساب إلى الناتو بدأت تدخل في خانة الخيارات الأكثر واقعية، حيث تكشف أحدث استطلاعات الرأي أن أغلبية واضحة ومتوسّعة في البلدين تدعم الانضمام إلى الحلف، كذلك أرسل البلدان كميات كبيرة من الأسلحة إلى أوكرانيا، بما في ذلك 10 آلاف سلاح محمول ومضاد للدروع من السويد.

من خلال غزو أوكرانيا، لم يشأ بوتين أن يعيد هذا البلد إلى نطاق نفوذه فحسب، بل إنه أراد أيضاً أن يغيّر النظام الأمني في أوروبا، لقد نجح في تحقيق الهدف الثاني لكن بطريقة مختلفة عما كان يتمناه، وأدى الهجوم الروسي إلى توحيد صفوف الناتو وزاد احتمال توسّعه، فإذا انضمّت فنلندا والسويد إلى الحلف، فسيجلب البلدان معهما قدرات عسكرية جديدة، بما في ذلك معدات جوية وغواصات متقدمة، مما يعني تغيير الهندسة الأمنية في شمال أوروبا والمشاركة في منع أي عدوان روسي آخر.

حياد مسلّح

تتعدد القواسم المشتركة بين دول الشمال، لكن هذه البلدان تبنّت سياسات أمنية مختلفة جداً منذ الحرب العالمية الثانية، ويعكس هذا التفاوت إلى حدّ كبير التجارب المختلفة التي شهدتها هذه الدول المتجاورة خلال الحرب، فقد سعت الدنمارك والنرويج إلى تطبيق الحياد، لكن احتلّتهما ألمانيا النازية في عام 1940، وصدّت فنلندا في البداية الغزو السوفياتي خلال حرب الشتاء بين العامين 1939 و1940، ثم وجدت نفسها تقاتل إلى جانب هتلر إلى أن تمكنت من إخراج نفسها من الحرب، فكانت السويد الدولة الوحيدة التي نَجَت من أهوال الحرب والاحتلال من بين دول الشمال بفضل سياسة الحياد المُصمّمة لضمان صمودها، ونجحت هذه السياسة لأن حسابات جيش هتلر لم تتطلّب الاستيلاء على الأراضي السويدية، فهو كان يستطيع تحقيق أهدافه في المنطقة بوسائل أخرى.

في المرحلة اللاحقة، أرادت السويد أن تمنع فنلندا من الوقوع تحت سطوة السوفيات لأن القادة السويديين كانوا مقتنعين بأن أي خطوة لإنشاء تحالف غربي واسع قد تُمعِن في إضعاف مكانة فنلندا، إنه السبب الأساسي وراء اختيار سياسة الحياد المسلّح خلال الحرب الباردة.

لكن لا يعني الحياد إهمال القوات المسلحة، فعلى مر الحرب الباردة، حافظت السويد على قوات عسكرية قوية، وكانت سياستها الرسمية ترتكز على عدم انحياز عسكري صارم، لكنها أخفت في الوقت نفسه تحضيراتها للتعاون مع الولايات المتحدة والناتو في حال اندلاع الحرب، واعتُبِر موقفها عموماً متماشياً مع المصالح الأمنية الغربية في المنطقة.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تغيّر الوضع الأمني في شمال أوروبا بطريقة جذرية، فبعدما رسّخت فنلندا تدريجاً مكانتها كديموقراطية شمالية مستقلة، أصبحت قادرة على تحرير نفسها من قيود حقبة ما بعد الحرب، انفصلت دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، عن الاتحاد السوفياتي قبل انهياره رسمياً، وفي عام 1995، انضمّت فنلندا والسويد إلى الاتحاد الأوروبي، مع أن البلدين كانا قد اعتبرا هذه الخطوة مستحيلة سابقاً بسبب تمسّكهما بسياسة الحياد.

بالنسبة إلى هذين البلدين، كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعني التخلي عن مفهوم الحياد، لكن لم تطلق هذه الخطوة نقاشات حول عضوية الناتو سريعاً، وتزامنت هذه التطورات مع صدور «ميثاق باريس» في عام 1989، علماً أنه كان يهدف إلى بناء نظام أمني أوروبي يشمل روسيا، ومع تنظيم مؤتمرات مهّدت لتأسيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كانت فنلندا والسويد تأملان تطوير علاقة أمنية بنّاءة مع روسيا الديموقراطية والإصلاحية. لكن رغم انتساب إستونيا ولاتفيا وليتوانيا إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي بعد أكثر من عشر سنوات، لم يحتدم النقاش في السويد أو فنلندا حول إعادة النظر في مفهوم عدم الانحياز العسكري.

لكن اعتباراً من عام 2008، بدأت الظروف في موسكو تتغير بكل وضوح، وكشف الغزو الروسي لجورجيا في تلك السنة أن عتبة استعمال القوة العسكرية الروسية لتحقيق أهداف البلد السياسية تبقى أقل مستوى مما يظن الكثيرون، ثم بدأت نزعة تغييرية ومختلفة تتسلل إلى المواقف السياسية الروسية، وتسارعت هذه النزعات بطريقة جذرية في عام 2014، حين حاولت روسيا منع أوكرانيا من عقد اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي وتفكيك البلد عن طريق العدوان العسكري.

بدأ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا هذه السنة يُغيّر المشهد الجيوسياسي مجدداً، إذ يريد بوتين في المقام الأول إخضاع أوكرانيا، لكنه يشنّ حرباً ضد الغرب في الوقت نفسه، لقد أوضح الزعيم الروسي وأعوانه رغبتهم في استبدال النظام الأمني الذي نشأ بعد عام 1989 في أوروبا بترتيبات قد تسيء إلى سيادة الدول الأخرى، ومثلما دفع انهيار الاتحاد السوفياتي بالسويد وفنلندا إلى إعادة النظر بعلاقتهما مع أوروبا، يبدو أن الزلزال السياسي الراهن بدأ يدفعهما إلى إعادة النظر بعناصر محورية من سياستهما الأمنية، بما في ذلك علاقتهما مع الناتو.


لا تزال نتيجة الحرب في أوكرانيا مجهولة، ويستحيل أن يتوقع أحد شكل روسيا خلال العقود المقبلة، لكن قد يضعف البلد على الأرجح اقتصادياً وعسكرياً ويصبح أكثر يأساً وخطورة سياسياً، ومن المستبعد أن يتخلى نظام بوتين عن طموحاته الإمبريالية طالما يبقى في السلطة.

هذا الواقع يغيّر الاعتبارات الأمنية في هلسنكي واستوكهولم معاً، ومن الواضح أن زيادة الإنفاق على الدفاع ستكون جزءاً من الحل للتعامل مع الوضع الأمني الجديد، فقد أعلنت السويد والدنمارك أنهما بصدد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، وفي غضون ذلك، تقترب النرويج وفنلندا ودول البلطيق الثلاث من تحقيق هذا الهدف أيضاً، فمنذ عام 2014، عمدت فنلندا والسويد إلى توسيع تعاونهما العسكري مع الناتو والولايات المتحدة وبريطانيا، فأنشأ البلدان بذلك ركيزة صلبة لتكثيف التعاون في المراحل المقبلة، ومنذ أكثر من عشر سنوات، تنفّذ القوات الجوية السويدية والفنلندية والنرويجية تدريبات جماعية بشكل شبه أسبوعي.

لكن لم تعد تقوية القدرات الدفاعية خطوة كافية على ما يبدو، لذا بدأ الانتساب إلى حلف الناتو يتحول سريعاً إلى واقع ملموس، وفكّرت فنلندا والسويد بالخيارات البديلة، فأرسلت حكومتا البلدين رسالة إلى جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين لتذكيرهم ببند التضامن في المقطع 42.7 من معاهدات الاتحاد الأوروبي، علماً أنه يشبه بند الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من ميثاق الناتو، كذلك أصبحت المبادرات المرتبطة بتعزيز تكامل السياسات الدفاعية والأمنية في الاتحاد الأوروبي قيد التنفيذ، لكن سيكون نسخ مؤسسات الناتو وهياكل القيادة فيه مستحيلاً وغير منطقي للدفاع عن الأراضي، ولا ننسى طبعاً أن الاتحاد الأوروبي لا يشمل البلدَين اللذين يحملان أكبر أهمية عسكرية في شمال أوروبا: الولايات المتحدة ليست منتسبة إلى الاتحاد لأسباب واضحة، وبريطانيا انسحبت منه لأسباب مؤسفة.

من المتوقع أن تتابع السويد وفنلندا تطبيق التدابير اللازمة لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى تحالف أمني أكثر قوة، لكن لا بديل عن الناتو للدفاع عن الأراضي، إنه أوضح استنتاج من العمليات المستقلة التي تنفذها هلسنكي واستوكهولم في الفترة الأخيرة لتقييم الخيارات البديلة.

يبدو أن فنلندا والسويد تتجهان إلى إعلان رغبتهما في الانضمام إلى الحلف قبل قمة الناتو في مدريد في أواخر شهر يونيو المقبل، فقد قال أمين عام الحلف، ينس ستولتنبرغ، إنه يتوقع عملية انتساب سريعة نسبياً نظراً إلى حجم التكامل العسكري الذي حققته فنلندا والسويد حتى الآن، ومع ذلك تتطلب مصادقة الدول الأعضاء الثلاثين بعض الوقت، ويتمنى البلدان نيل تلك المصادقة بسرعة، لا سيما في مجلس الشيوخ الأميركي، ويأملان أن يبدي أعضاء الناتو استعدادهم الجماعي لردع أي استفزازات روسية محتملة بين بداية عملية الانتساب وموعد انتهائها المحتمل في عام 2023.

مشهد متبدّل

حين تنضم فنلندا والسويد إلى الناتو، فلا مفر من أن تتغير الهندسة الأمنية في شمال أوروبا، وسيجلب كل بلد قدرات عسكرية كبرى إلى الحلف، إذ تحتفظ فنلندا بجيش فيه عدد كبير من عناصر الاحتياطي، وتملك السويد قوات جوية وبحرية قوية، أبرزها الغواصات، وبعد إضافة مقاتلات «غريبن» السويدية المتقدمة إلى طائرات «ف-35» التي طلبتها النرويج والدنمارك وفنلندا وتنتظر استلامها، ستصبح أكثر من 250 طائرة مقاتلة وحديثة متاحة في المنطقة وستشكّل قوة فاعلة عند تشغيلها جماعياً.

قد تزداد سهولة الدفاع عن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بفضل السيطرة المتكاملة على المنطقة كلها لأن الأراضي والأجواء السويدية تحتل أهمية خاصة في هذا النوع من الجهود، وهذه العوامل كفيلة بتقوية نظام الردع وتقليص الصراعات المحتملة، وفق دراسات نشرتها السويد وفنلندا، لكن قد تتعلق أهم نتيجة يُحققها انتساب فنلندا والسويد إلى الناتو بزيادة قوة الحلف السياسية وتحويله إلى ركيزة للدفاع عن أوروبا والمنطقة العابرة للأطلسي، وقد يسهم البلدان في تسهيل التعاون المتزايد بين الاتحاد الأوروبي والناتو، مما يعني تحسين تقاسم الأعباء في أنحاء الأطلسي: يزداد هذا الهدف أهمية نظراً إلى تصاعد المطالب المنتظرة من الولايات المتحدة في ظل الوضع الأمني السائد في شرق آسيا.

لكن حتى لو انضمّت فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، فمن المستبعد أن يستفز البلدان روسيا بلا مبرر عبر تأجيج مخاوفها الأمنية القديمة، وقد تكون النرويج أفضل مثال يُقتدى به في هذا المجال، فهي جمعت بين التكامل العسكري القوي في الناتو وسياسات تضمن طمأنة روسيا، وتُعتبر القوات والمنشآت الروسية في شبه جزيرة «كولا» بالغة الأهمية بالنسبة إلى قدرات الضربة الثانية في الاستراتيجية النووية الروسية، وتبقى فنلندا مقرّبة من المركز السكاني والمعقل الصناعي في «سانت بطرسبرغ». إنه جزء من الأسباب التي تمنع فنلندا والسويد من نشر أي قواعد دائمة وواسعة لوحدات الناتو على أراضيها، ومن المتوقع أن يحمل البلدان التحفظات التي عبّرت عنها الدنمارك والنرويج عند انضمامهما إلى الحلف لتجنّب استضافة أسلحة نووية.

مع اقتراب موعد قمة الناتو في مدريد، يجب أن يفكر الحلف بطلبات فنلندا والسويد للانتساب إليه في أسرع وقت، ولن تكون هذه العملية مجرّد أداة لترسيخ الاستقرار في شمال أوروبا ودول البلطيق، بل إنها فرصة لتقوية الحلف ككل، فقد أصبح هذا الهدف أساسياً بعد العدوان الروسي العسكري الأخير.

* كارل بيلدت

Foreign Affairs

بعد إضافة مقاتلات «غريبن» السويدية المتقدمة إلى طائرات «ف-35» التي طلبتها النرويج والدنمارك وفنلندا ستصبح أكثر من 250 طائرة مقاتلة وحديثة متاحة في المنطقة

منذ عام 2014 عمدت فنلندا والسويد إلى توسيع تعاونهما العسكري مع الناتو والولايات المتحدة وبريطانيا فأنشأتا بذلك ركيزة صلبة لتكثيف التعاون في المراحل المقبلة