صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5038

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

النظافة في الكويت... أزمة سلوك إنساني وفساد أخلاقي

غياب التوعية بأهميتها خلّف أزمة صحية وبيئية وجمالية وكبّد الدولة خسائر جسيمة

لم تكن شبهات الفساد في عقود النظافة وعدم تطبيق القانون والعقوبات غير الرادعة وحدها وراء انتشار القمامة في الكويت، بل إن السبب الرئيسي يكمن في أزمة سلوك إنساني في التعامل مع النفايات وغياب التوعية بأهمية النظافة في المجتمع، والتي خلفت وراءها أزمة صحية وبيئية وجمالية تكبد خزينة الدولة خسائر جسيمة.

وفي حين لا يتطلب الأمر من الإنسان سوى بضع ثوان وخطوات قليلة للوصول الى سلة القمامة لإلقاء النفايات التي يخلفها بعد وجبة ناتجة عن نزهة قصيرة، فإن البعض أصبح يجد المحافظة على المكان نظيفاً عملية معقدة وصعبة، نابعة من عدم اهتمام وسوء سلوك، ما يجعل هؤلاء يكررون إلقاء النفايات في الأماكن غير المخصصة لها أو حتى تركها في الطرق والمساحات الخالية والشواطئ، وإن كانوا على معرفة بالأثر السلبي للمخلفات والنفايات على البيئة والصحة.

رغم أن النظافة التزام أخلاقي وإنساني وسلوك حضاري قبل أن تكون شُعبة من شُعَب الايمان الذي اوصى به ديننا الحنيف، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات الحكومية وحدها، ممثلة في بلدية الكويت والهيئة العامة للبيئة، بل إن مسؤولية الأفراد والمجتمع أكبر بتوعية أبنائهم والأجيال المقبلة وتوجيههم وحثهم على الحفاظ على نظافة الاماكن بعد مغادرتها.

ويقاس رقي الشعوب بمستوى احترامها للنظافة التي تبين الصورة الحقيقية للبلد الذي تمكث فيه، إذ لا يمكن أن يتصور الانسان أن يعيش في بيئة مليئة بالنفايات والمخلفات، لكن الحال في الكويت يشير إلى غياب التوعية الحقيقية بشأن أهمية النظافة في الشوارع وداخل المدن السكنية والاستثمارية، وكذلك الصناعية فضلاً عن المشكلة الكبرى وهي الشواطئ والمناطق البرية.

وهنا يكمن الخلل في غياب الإحساس بالمسؤولية الشخصية تجاه النظافة، حيث تظهر المشاهد اليومية التي يخلفها أولئك، بين تفريغ علب السجائر عند إشارات المرور وإلقاء أكياس القمامة التي تحتوي على مواد زجاجية وبلاستيكية في منتصف الطريق، ناهيك عن ترك بقايا الطعام على الشريط الساحلي والمناطق البرية.

كل تلك السلوكيات غير الحضارية تكلف الدولة تلوثاً بيئياً وصحياً فضلاً عن التلوث البصري الذي ينعكس على الحالة النفسية لدى المارة إضافة إلى الجهد اليومي الكبير الذي يبذله عمالة النظافة في بعض الأماكن، ما قد يضطره إلى تعبئة حاويات القمامة من المخلفات والنفايات المتنوعة مرتين في اليوم حتى يتمكن من تنظيفها.

أسباب إهمال المخلفات

هناك عدة أسباب مسؤولة عن سلوك إلقاء المخلفات الذي ينتهجه البعض، في مقدمتها عدم إحساس الفرد بمسؤوليته عن النظافة في المجتمع، فضلا عن أن العقوبات على انتهاك النظافة غير مفعلة رغم كفايتها العددية.

إلى جانب ذلك، هناك تقصير من الأسرة والجهات الحكومية في الجانب التوعوي، فضلاً عن اعتقاد الكثيرين أن مكان النزهة مؤقت وليس ضمن بيئتهم الخاصة.

المشاركة المجتمعية

في هذا السياق، أكد مدير إدارة إشغالات الطرق والنظافة العامة في محافظة العاصمة ببلدية الكويت مشعل العازمي، لـ«الجريدة»، أنه من دون المشاركة المجتمعية والتوعية بأهمية النظافة لن تقدم البلدية الخدمة المطلوبة بشأن عملية رفع النفايات والمحافظة على النظافة، مطالبا المواطنين والمقيمين بالالتزم بالساعات التي حددتها البلدية لإخراج القمامة من الساعة 6 حتى 12 منتصف الليل حتى تتمكن آليات النظافة من رفعها.

ولفت العازمي إلى أن هناك من لا يلتزم بإغلاق القمامة بالأكياس المخصصة لها فضلاً عن رميها بجانب الحاويات ما يشكل منظرا غير حضاري ويتسبب في تلف الشوارع وصعوبة نقلها.

وأضاف أن البلدية تلاحظ وجود العديد من النفايات على الشواطئ ناتجة عن نزهة قام بها بعض الأهالي خاصة تلك التي تحتوي على مأكولات، مشيراً إلى أن عمليات تنظيفها تأخذ جهدا كبيرا من عمالة النظافة وتكلف الدولة عناء المراقبة المستمرة بينما لا يحتاج الأمر سوى زيادة الوعي لدى البعض في المجتمع حتى يتم الوصول للغاية المرجوة وهي كويت خالية من المخلفات والنفايات.

3 عقود

وذكر العازمي أن لدى محافظة العاصمة 3 عقود لشركات تلتزم بتقديم خدمات النظافة داخل نطاق المحافظة فضلاً عن الجزر الكويتية التي تم تخصيص لها فرق تفتيشية للوقوف على مدى نظافتها.

وقال إن عدد آليات ومعدات النظافة في العقود التابعة لبلدية العاصمة 125 آلية تقوم بعملها يوميا فضلاً عن وجود عمالة الكنس اليدوي، موضحا أن بلدية الكويت تختص بالمناطق السكنية وجزء من الاستثماري ومؤسسات الدولة، كما تراقب عملية التزام أصحاب العقارات في المناطق التجارية والاستثمارية والحرفية برفع ونقل النفايات على حسابهم الخاص.

ولفت العازمي إلى أن عدد الحاويات في المناطق التابعة لمحافظة العاصمة بما فيها الشواطئ تقارب 45 ألف حاوية بسعة 240 لتر مكعب، و15 ألفاً بسعة 1100 لتر مكعب.

الإساءة إلى عمال النظافة

في موقف يعكس مدى إساءة بعض الأشخاص لعمال النظافة، تحدث أحد عمال النظافة لـ «الجريدة»، كاشفا أنه تعرض للشتائم والسب بعد إلقاء بعض الأشخاص للنفايات في الشارع.

وأوضح العامل أن هؤلاء الأشخاص كانوا ينظرون له نظرة غير أخلاقية، حتى فرضوا عليه بأن يقوم بتنظيف ما رموه في الشارع من مخلفات أكياس و«قراطيس» وعلب مشروبات.

وذكر عامل آخر أنه أثناء وقوفه أمام احد المساجد للتنظيف قام أحد الأشخاص بركوب سيارته وتفريغ علب السجائر بعد تدخينها امام العامل حتى يقوم بتنظيفها، مبيناً أن هذا الشخص طلب منه تنظيفها بالرغم من وجود حاوية بجانبه لا تبعد أمتارا.

وتابع أن بعض الأشخاص لا يعلم مدى ألم الوقوف ومدى قسوة النظرة العامة التي ينظر بها بعض الأشخاص إلى عمال النظافة.

معدل النفايات

بدوره، أكد عضو المجلس البلدي المهندس عبدالسلام الرندي لـ«الجريدة» أن مستوى النفايات في الكويت مرتفع عن المعدل العالمي حيث وصل إلى 1.5 كيلو لكل فرد، بينما المعدل العالمي نصف كيلو فقط، مشيراً إلى أن ارتفاع المعدل يبين وجود حاجة ملحة لتوعية وتغيير في فلسفة النظافة لدى الأفراد في الكويت.

وذكر الرندي أن المواطن والمقيم مصدر لأي نفايات والتوعية مطلوبة، والدور مشترك بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات المجتمعية، متابعاً بأن هناك حاجة لدعم مزيد من التوعية للتقليل من ظاهرة إلقاء المخلفات التي أصبحت تزداد في المجتمع.

وأضاف أن مستوى التوعية بشأن النظافة في العقود الماضية في السبعينيات والثمانينات كان عالياً جداً الأمر الذي انعكس على مسؤولية الأفراد ما جعلهم يساهمون في نقل النفايات بالشكل المطلوب، مؤكدا ضرورة فرز النفايات والمحافظة على البيئة، ولتكن البداية من المؤسسات الحكومية نزولاً للأفراد.


وأكد أن سوء ثقافة البعض قد يؤثر على الجميع وينعكس سلبياً على البيئة والصحة العامة، ويؤدي إلى زيادة معدل النفايات الذي ينتج عنها نظرة غير حضارية لأي دولة.

وبالنسبة لعقوبات لائحة النظافة، أكد الرندي أن العقوبات كافية في لائحة النظافة لكنها غير مفعلة، الأمر الذي يجعل بعض الأفراد لا يتحملون مسؤولية إلقاء النفايات في البر والبحر.

التلوث البيئي

ومن جهته، شدد أستاذ علم النفس في جامعة الكويت د. خضر البارون، على أن التلوث البيئي الناتج عن إلقاء المخلفات في الشوارع والطرقات والأماكن العام خطر على الصحة النفسية، مبيناً أن ما تتم مشاهدته بشكل شبه يومي من مخلفات ناتجة عن نزهة أو رحلة خاصة في الحدائق والشواطئ مشهد غير اخلاقي ويرهق العين، مما يجعل الناس تشمئز من رؤية المكان.

وأوضح البارون أن النزهة مفيدة وتأثيرها إيجابي على الصحة النفسية بيد أن وجود مثل هذه المظاهر يقلبها لحالة سلبية تنعكس على مزاج المتنزهين، خصوصا في عطل نهاية الأسبوع والعطل الرسمية، واصفاً تلك الظاهرة بأنها خطيرة على السلوك العام للمجتمع، وستتفاقم إذا لم تكن هناك وقفة جادة.

خسائر باهظة

وأضاف أن عملية التنظيف في ظل وجود هذه الظاهرة تكبد الدولة خسائر باهظة، مبيناً أن البعض يعتقد أن النفايات والمخلفات تخص البشر، ولا يدرك حجمها على البيئة بما تحتويه من أحياء بحرية وبرية.

وأردف بأن الجهات الحكومية قادرة على تغيير سلوك الأشخاص غير المهتمين، مشيراً إلى أن كل أسرة مسؤولة تجاه أبنائها لحثهم على تنظيف المكان من خلفهم واعتباره بمثابة منزلهم حتى يشعروا بمدى الضرر الذي يخلفونه.

ولفت إلى ضرورة إرشاد وتوعية الناس بشكل يومي بأن تكون البيئة خالية من الأوساخ، مؤكداً أن هذا الأمر مهم جدا لخلايا المخ البشري، مما ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للمجتمع.

العقوبات

حددت لائحة النظافة ونقل النفايات في القرار الوزاري رقم 190/2008 لبلدية الكويت العقوبات الناتجة عن إلقاء النفايات، عبر غرامة مالية لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 300، لكل من السلوكيات التالية:

• تفريغ النفايات على الأرصفة أو في الطرق أو الميادين أو الساحات العامة أو غير الأماكن الخاصة لها.

• إلقاء الأوراق والمحارم وعلب وأعقاب السجائر على الأرصفة وفي الشوارع والطرق والميادين والساحات والمواقف والحدائق والأراضي العامة.

• إتلاف المزروعات والنباتات والأشجار وقطف الأزهار والثمار في الشوارع والميادين والحدائق العامة واقتلاع الأشجاروالنباتات البرية أينما وُجِدت في الأراضي العامة.

• البصق والتبول والتغوط في غير الأماكن المعدة لذلك.

• تنظيف السجاد والمفروشات من المطلات الواقعة على الشوارع.

• العبث بالنفايات وفرزها والاستفادة منها وإشعال النار فيها.

• إلقاء مخلفات النار ورماد الفحم المشتعل في أكياس أو حاويات النفايات.

كما حدد قانون حماية البيئة رقم 42 لسنة 2014 والمعدل بعض أحكامه بالقانون رقم 99 لسنة 2015، عدة عقوبات أخرى منها:

• غرامة لا تقل عن 50 دينار ولا تزيد على 500 عند عدم إلقاء القمامة أو المخلفات أياً كان نوعها في الحاويات المخصصة لها.

• غرامة لا تقل عن 500 دينار ولا تزيد على 10 آلاف في حالة إلقاء أو معالجة او حرق النفايات البلدية الصلبة في غير المرافق المخصصة لها.

• غرامة لا تزيد على 10 آلاف دينار لكل من ألقى القمامة أو المخلفات أياً كان نوعها على الشواطئ العامة والجزر الكويتية.

• الحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وغرامة لا تقل عن 20 ألف دينار، ولا تزيد على 200 ألف دينار في حال:

• عدم التخلص من النفايات الخطيرة والنفايات البلدية الصلبة ونفايات الرعاية الصحية والحمأة بأنواعها.

• حظر التخلص من النفايات بأنواعها بالردم المباشر في مواقع غير مخصصة بيئياً.

● محمد الجاسم

«البلدية» لن تتمكن من تقديم الخدمة بالشكل المطلوب دون مشاركة مجتمعية العازمي

العقوبات في لائحة النظافة كافية لكن عدم تفعيلها يجعل الأفراد غير مسؤولين الرندي

ظاهرة خطيرة على السلوك العام للمجتمع وستتفاقم إذا لم تكن هناك وقفة جادة البارون