صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5104

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أوكرانيا ستحارب وتثبت أحقية قضيتها!

  • 06-12-2021

بدأت أوكرانيا تزداد قوة مع مرور الأيام، وهذا الوضع يثير استياء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فرغم حملة الكرملين الدعائية التي تُصوّرها كدولة ضعيفة وفاشلة، أثبتت أوكرانيا قوة تحمّلها منذ أن هاجمتها روسيا قبل سبع سنوات.

على مر السنين، حسّن البلد قدرات جيشه القتالية من باب الضرورة، فأصبح هذا الجيش اليوم في المرتبة الخامسة والعشرين على لائحة أقوى جيوش العالم، فتأثر الاقتصاد سلباً بالحرب في البداية، لكنه استرجع زخمه وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي قبل زمن كورونا نحو 3% بفضل قطاع تكنولوجيا المعلومات القوي ودائم التطور، كذلك، حصلت إصلاحات مهمة وضرورية، منها اللامركزية واستصلاح الأراضي، وأدى قانون المشتريات العامة ونشوء هيئات لمكافحة الفساد إلى تراجع الأخطاء الجنائية. تحسّنت مرتبة البلد أيضاً في التصنيفات العالمية.

كان مسار الديموقراطية في أوكرانيا متعرجاً، لكن بات المواطنون اليوم معتادين على العيش في بلد ديموقراطي (انتخابات حرّة، الحق في تنظيم احتجاجات سلمية، بيئة إعلامية متنوعة)، كذلك، يؤدي المجتمع المدني دوراً بارزاً في توجيه قرارات الحكومة. هذه العوامل لا يمكن تصورها في روسيا خلال عهد بوتين.

فشلت "القوة الناعمة" الروسية في أوكرانيا بأسوأ الطرق منذ أن بدأ الهجوم في عام 2014 بضم شبه جزيرة القرم وغزو شرق أوكرانيا، واليوم، يدعم ناخب واحد من كل عشرة أوكرانيين فقط الأحزاب السياسية الموالية لروسيا، وفي الوقت نفسه، تغيّر مزاج الرأي العام الأوكراني، وفي عام 2008، اعتبر 51% من الأوكرانيين التكامل مع روسيا من أولويات السياسة الخارجية، لكن في عام 2021، يدعم 58% من الأوكرانيين انتساب بلدهم إلى حلف الناتو باعتباره رادعاً للاعتداءات الروسية، وفي المقابل، يدافع أقل من 10% منهم عن التحالف مع روسيا.

قد لا يخصص الغرب وقتاً طويلاً لمراقبة أحداث أوكرانيا، لكنّ الكرملين يراقب أدق التفاصيل هناك، ويدرك بوتين أن إقناع الأوكرانيين بالتخلي عن مسارهم الأوروبي الأطلسي أمر مستحيل، ومع مرور كل يوم جديد، تبتعد أوكرانيا عن روسيا بدرجة إضافية، ولهذا السبب، يُهدد الكرملين باستعمال القوة العسكرية: إنها الطريقة المحتملة الوحيدة لمحاولة إعادة أوكرانيا إلى نطاق النفوذ الروسي.

لكن تبقى هذه الحسابات مغلوطة. لقد شاهد الأوكرانيون بأم العين ما حصل في مناطق مثل "دونيتسك" و"لوهانسك" بعد الاحتلال الروسي حيث أصبحت "دونيتسك" اليوم مدينة أشباح ذات بنية تحتية متهالكة بعدما كانت من أغنى مناطق أوكرانيا وأكثرها حيوية.

أمام هذه التطورات، يدرك الأوكرانيون اليوم أن الانتساب إلى "العالم الروسي" ينذر بالدمار والخراب والقمع، فهم لا يريدون مستقبلاً مماثلاً لأولادهم وسيحاربون أي محاولة روسية للاستيلاء على المزيد من الأراضي الأوكرانية.

من المتوقع أن يطلق أي اعتداء روسي جديد مقاومة شعبية ضخمة، ولا يمكن أن يتوقع أحد اليوم أن يرحّب السكان المحليون بأي تدخّل روسي، كما حصل جزئياً في "دونيتسك" و"لوهانسك" في عام 2014.

يبدو أعضاء الجيش الأوكراني هادئين على نحو مفاجئ في الفترة الأخيرة، فقالوا في لقاء جديد: "روسيا هاجمت أوكرانيا في عام 2014، وكنا نظن منذ ذلك الحين أن الوضع سيتفاقم في أي لحظة". هم يوجّهون الرسالة التالية إلى بوتين: "لن يعترف أحد بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ولن ينال إقليم "دونباس" المحتل استقلاليته، ولن نتراجع عن ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، نحن مستعدون للحرب وسنحارب حتى آخر جندي".

سيقاوم المدنيون أيضاً أي شكل من التدخل، فقد بدأت المنظمات التطوعية، التي شاركت في تنظيم حركة المقاومة في 2014، تحشد مواردها الآن. وإذا قرر بوتين إطلاق هجوم شامل، فستتشكل وحدات دفاعية إقليمية وتندلع حرب عصابات دموية، ولن تكون العملية بسيطة على الجنود الروس، فقد يسهل عليهم الاستيلاء على الأراضي نظراً إلى تفوّق روسيا بحراً وجواً، لكنّ محاولات الحفاظ عليها ستتحول إلى كابوس حقيقي، ولا يمكن إحباط معنويات الأوكرانيين إلا عبر نشر مستوى غير مسبوق من الرعب، بما يفوق ما تشهده بيلاروسيا المجاورة في الوقت الراهن.

يجب أن يدرك شركاء أوكرانيا الغربيون قوة تصميم الأوكرانيين ويأخذوها بالاعتبار عند التفكير بالرد على تصرفات روسيا العدائية، حيث يسعى بوتين إلى عقد اتفاق مع الغرب على حساب أوكرانيا، لكن تبقى أي محاولات لفرض تنازلات لا يقبل بها الأوكرانيون محكومة بالفشل، ولن تكون هذه المساعي مقبولة ولن توافق عليها أي حكومة في كييف إذا أرادت ضمان صمودها.

لردع روسيا، لا حاجة إلى تكثيف الجهود لاسترضاء موسكو بل يجب أن يصبّ الدعم لصالح أوكرانيا من خلال تحسين قدراتها الدفاعية وفرض عقوبات جديدة وأكثر صرامة على روسيا.

مع توسّع التهديدات بتجدّد الاعتداءات الروسية، لم يعد الأوكرانيون يشعرون بالخوف، لكن هل سيقف الغرب إلى جانبهم ويتحلى بالقدر نفسه من الشجاعة والقوة؟

* «أولغا توكاريوك»