صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4948

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تصبح سلطنة عمان بوابة الخليج المقبلة؟

طموحات سلطنة عمان للتحول إلى بوابة الخليج تنافس هيمنة الإمارات في مجال الخدمات اللوجستية، لأن موقعها يمنحها امتيازات عدة، وقد تكون السلطنة مستقبلاً خياراً بديلاً في مجال الموانئ والخدمات اللوجستية.

صرّح المدير التنفيذي لمجموعة «أسياد» اللوجستية الوطنية في سلطنة عمان، عبد الرحمن الحاتمي، لموقع «المونيتور»: «نريد أن نُحسّن مساهماتنا اللوجستية في اقتصادنا بدرجة ملحوظة... نحن نبني هذا القطاع من أجل الجيل المقبل، وهذه هي مسؤوليتنا».

تزامناً مع تراجع احتياطيات النفط الخام في سلطنة عمان، يستهدف البلد خمسة قطاعات، منها الخدمات اللوجستية، لإعادة إحياء اقتصاده وتنويع مصادر دخله الحكومي، فطوال قرون، كانت سلطنة عمان تسيطر على إمبراطورية تجارية بحرية ضخمة تشمل معظم أجزاء غرب المحيط الهندي.

اليوم، يُعتبر موقع السلطنة خارج مضيق هرمز من أبرز مزايا البلد الاستراتيجية، حيث يربط هذا الممر المائي الضيق بين الإمارات العربية المتحدة، أي مركز الخدمات اللوجستية الراهن في الخليج، وبقية دول العالم، وكان الحرس الثوري الإيراني قد صادر سفناً في مضيق هرمز الاستراتيجي وأعلن أنه قد يغلقه، مما دفع الكثيرين إلى التأمين على السفن.

غداة الهجوم قبالة الساحل الإماراتي ضد ناقلتَين تحملان بتروكيماويات للعملاء اليابانيين والتايوانيين في يونيو 2019، زادت معدلات التأمين على الناقلات بعشرة أضعاف.

يوضح راين بول، خبير في شؤون الشرق الأوسط في شركة «ستراتفور» المتخصصة بتقييم المخاطر الجيوسياسية في الولايات المتحدة: «حتى لو لم تواجه الإمارات العربية المتحدة حرباً علنية أو اعتداءات ضمنية، قد يكون احتمال حصول هذه الحوادث كافياً لإقناع بعض شركات الشحن باستعمال موانئ سلطنة عمان الحيادية». عملياً، تقيم السلطنة علاقات ودية مع جمهورية إيران الإسلامية التي تشاركها مضيق هرمز.

يقول محمود الوهيبي، خبير في التخطيط العمراني كان يعمل لصالح «استراتيجية عُمان المكانية الوطنية» حتى سبتمبر 2021 وشارك في خطة تنمية السلطنة المعروفة باسم «رؤية عام 2040»: «قد تصبح سلطنة عمان معقلاً لوجستياً للمنطقة، لا سوقاً بحد ذاته. تُعتبر الاتفاقيات مع الدول المجاورة أساسية لتحقيق هذا الهدف، لكن يبدو أن دول الخليج الأخرى لا تملك الإرادة السياسية لفعل ذلك اليوم، فهي لا تريد أن نسيطر على سوق الخدمات اللوجستية في المنطقة».

يظن الحاتمي أن موقع سلطنة عمان يمنحها امتيازات عدة: «نحن نتحاور مع نظرائنا في دول مجلس التعاون الخليجي حول كيفية الاستفادة من هذا الوضع، وندعو تلك الدول الست إلى التعاون لتحسين الممرات اللوجستية».

مشروع سكك حديد غير مكتمل

على بُعد 400 كيلومتر عن العاصمة العمانية مسقط، يشكّل مشروع بارز خير مثال على التحديات المرتقبة، وينتهي الطريق الوحيد بين السلطنة والمملكة العربية السعودية على الحدود فجأةً، يقول عنصر من شرطة عمان السلطانية: «أصبح منفذ رملة خيلة الحدودي جاهزاً على الجانب العماني، لكننا لا نعرف بعد متى سيصبح الدخول إلى السعودية ممكناً بشكلٍ رسمي».

أحرزت دول الخليج تقدماً محدوداً على مستوى الربط بين بناها التحتية الاستراتيجية، حيث زادت الدوحة قدرتها على التعامل مع الحاويات وقطاع الزراعة، مما أدى إلى تراجع الحاجة إلى الاتكال على موانئ الدول الخليجية الأخرى.

لكن يبقى الأمل موجوداً رغم كل شيء، ويُعتبر مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي أساسياً، وهو عبارة عن شبكة سكك حديد إقليمية لم تنشأ بعد على أرض الواقع، لكن من المتوقع أن تتغير معالم الموانئ العمانية بفضل هذه الشبكة. يقول الوهيبي: «سيغيّر هذا المشروع الديناميات اللوجستية في المنطقة والبيئة السياسية أيضاً، مما يؤدي إلى تعزيز الثقة المتبادلة».

بالإضافة إلى المنافع الاقتصادية وتسهيل التنقل بين دول الخليج، قد تسهم شبكة سكك الحديد أيضاً في تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 70 أو 80% مقارنةً بانبعاثات عمليات النقل بالشاحنات، وفي الوقت نفسه، تعهدت الإمارات والسعودية والبحرين ببلوغ مرحلة حياد الكربون بحلول عام 2050 و2060 على التوالي.

لكنّ طموحات سلطنة عمان بالتحول إلى بوابة الخليج تنافس هيمنة الإمارات العربية المتحدة في مجال الخدمات اللوجستية، حيث تتولى شركة «دي بي وورلد» التي تُشغّل الموانئ الإماراتية نقل حاوية واحدة من كل عشرة حول العالم، هي تدير الموانئ والمحطات والمناطق الحرة والمعاقل اللوجستية في أنحاء القارات الست، بما في ذلك ميناء جبل علي المهم في دبي، علماً أنه ينتج حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات.

قد تُحوّل سلطنة عمان المنافسة الاقتصادية الناشئة بين السعودية والإمارات إلى فرصة قيّمة، ويوضح الوهيبي: «بنظر المملكة العربية السعودية، قد تكون سلطنة عمان خياراً بديلاً عن الإمارات في مجال الموانئ والخدمات اللوجستية، مما يعني أنها أشبه بخطة احتياطية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، وإذا حصل اضطراب معيّن مع الإمارات إذاً، لن يتأثر السعوديون».


استغلال الموانئ

قرر السلطان هيثم، منذ تسلمه السلطة بعد ابن عمه الذي حَكَم البلد طوال نصف قرن تقريباً، التركيز على الشؤون الداخلية في المقام الأول لاحتواء العجز المتزايد في الميزانية، وحاول التمسك بسياسة خارجية مستقلة وحيادية، وفي منتصف أبريل 2021، فرضت سلطنة عمان ضريبة القيمة المضافة التي تصل نسبتها إلى 5% بعد تأخّرها مراراً، وبدأت تعيد تنظيم الشركات الحكومية.

لكن نتيجة زيادة الضغوط على المالية العامة، قد تضطر السلطنة لتكثيف جهودها للاستفادة من شبكة علاقاتها الدبلوماسية الهائلة لطرح الموانئ العمانية كبوابة حيادية وتنافسية للخليج. يقول راين بول من شركة «ستراتفور»: «تبدو هذه الفرصة محدودة لأن الموانئ الإماراتية تبقى أكثر تطوراً وتستطيع الوصول إلى السوق الإماراتي الداخلي بسهولة، ونتيجةً لذلك، قد يتابع عدد من شركات الشحن المجازفة بمواجهة هذا النوع من الاضطرابات».

تشمل سلطنة عمان ثلاثة موانئ كبرى: صلالة، والدقم، وميناء صحار الذي يُعتبر بوابة السلطنة الأساسية، فقد أطلق ميناء صحار خدمة لتزويد السفن بالوقود، وبدأ يوسّع نطاق خدماته كي يصبح مركزاً تجارياً للحاويات والأغذية والمواد الكيماوية في منطقة الخليج.

أما ميناء صلالة، فهو يُعتبر في المقام الأول مركزاً لإعادة الشحن، فيقدم خدماته إلى الأسواق الإقليمية، بما في ذلك شرق إفريقيا واليمن، وتكون محطات إعادة الشحن بمنزلة صلة وصل، فتنقل الحاويات من خطوط المسافات الطويلة إلى خطوط المسافات القصيرة وتصل إلى وجهة الشحنات النهائية.

في عام 2020 احتلت الموانئ العمانية، وفق تصنيف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، المرتبة الأولى من حيث سرعة التعامل مع الحاويات، مما يعني أنها أسرع من الموانئ الإماراتية بقليل.

كان متوقعاً أن تصبح بلدة الدقم الساحلية، على بُعد 550 كلم من شمال صلالة، محطة بارزة خارج مضيق هرمز لتصدير النفط الخليجي إلى الأسواق الدولية، لكن لم يحصل أي تعاون إقليمي على أرض الواقع، وأصبحت الدقم «تائهة» بين صحار وصلالة وهي لا تجيد تحديد موقعها حتى الآن برأي الوهيبي.

يقول الحاتمي من جهته إن موقع ميناء الدقم يسمح له بتقديم خدماته إلى قطاعات عمانية متنوعة مثل النفط والغاز ومصايد الأسماك والمعادن: «نحن نتكلم عن احتياطيات تصل كميتها إلى مليارات الأطنان، مما يعني إمكانية استعمال ميناء الدقم لتصدير السلع إلى دولٍ تشهد نمواً سريعاً، مثل الهند والصين». تذكر إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأميركية أن الموارد المعدنية في سلطنة عمان لا تزال غير مُستغلة نسبياً، إذ تنتظر رواسب ضخمة من المعادن الصناعية اكتشافها».

في غضون ذلك، أثار الميناء العميق اهتمام الأوساط العسكرية لتسهيل الانتشار العسكري في المحيط الهندي، بما في ذلك السفن الهندية والأميركية، فقد رَسَت حاملة الطائرات التابعة للبحرية البريطانية الملكية، «إتش إم إس كوين إليزابيث»، في ميناء الدقم قبل أيام 2021 لتنفيذ تدريبات مشتركة.

وبدءاً من عام 2009، كشفت وثيقة سرّبها موقع «ويكيليكس» أن نائب وكيل وزارة الموانئ والشؤون البحرية في سلطنة عمان قال إن الدقم سيصبح «ميناء التواصل الأساسي بين السفن البحرية».

لكن تجد سلطنة عمان صعوبة في تغيير الوضع القائم وجذب أصحاب الشركات الذين يعتبرون ميناء جبل علي المعقل الإقليمي الذي يربط المنطقة بالعالم، ووفق مصادر «المركز الوطني للمعلومات الإحصائية»، كانت الإمارات العربية المتحدة تحصل على 24% من الصادرات العمانية غير النفطية وتعيد تصديرها في عام 2017.

لا يزال القطاع اللوجستي العماني في بدايته إذاً رغم أهدافه الطموحة، حيث يحتل ميناء جبل علي المرتبة الحادية عشرة عالمياً، فقد تسلم 13.5 مليون وحدة مكافئة من الحاويات في عام 2020، في حين سجّل ميناء صلالة، وهو الأكبر في سلطنة عمان، مستوىً أقل بثلاث مرات واحتل المرتبة 43.

في النهاية، يقول الوهيبي: «من الناحية الاقتصادية، لا تستغل سلطنة عمان البنية التحتية لموانئها بالدرجة الكافية، فقد نجحنا في بنائها لكننا نتساءل الآن عن المنافع الاقتصادية التي تقدّمها».

سيباستيان كاستيلييه - المونيتور

في عام 2020 احتلت الموانئ العمانية المرتبة الأولى من حيث سرعة التعامل مع الحاويات وفق تصنيف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية

موقع السلطنة خارج مضيق هرمز من أبرز مزاياها الاستراتيجية حيث يربط هذا الممر المائي الضيق بين الإمارات وبقية دول العالم

عمان تضم ثلاثة موانئ كبرى: صلالة والدقم وصحار الذي يُعتبر بوابة السلطنة الأساسية