صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4898

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تخضير القطاعات الأصعب

  • 05-10-2021

يجب على الحكومات الوطنية والصناعات العالمية العمل بشكل فوري لتخفيض الانبعاثات، وإن الاكتفاء بالتعهد للتصرف مستقبلا فقط لم يعد أمرا مقبولا، فكلما فشلنا في تأمين المزيد من مسارات التنمية المستدامة أصبح من الصعب المحافظة على درجات الحرارة العالمية بمستوى آمن.

يقوم قادة العالم بشكل متزايد بعمل التزامات طموحة بخفض انبعاثات غاز الاحتباس الحراري والحد من التأثيرات الكارثية للتغير المناخي ولكن من أجل تحويل الالتزامات الى نتائج، يجب عمل المزيد من أجل إزالة الكربون من جميع قطاعات الاقتصاد العالمي سريعا، فهذه العملية ستكون أسهل نسبيا لقطاعات مثل الكهرباء وسيارات الركاب، حيث إن حلول الطاقة النظيفة جاهزة للاستخدام على نطاق واسع ولكن سيكون الأمر أصعب بكثير بالنسبة للطيران والأسمنت والشحن والصلب وغيرها من القطاعات صعبة التخفيف.

إن تحقيق صافي صفر انبعاثات في تلك القطاعات يتطلب إضفاء الطابع التجاري على التقنيات والتي تعتبر غير جاهزة بعد للاستخدام على نطاق واسع علما أن إضفاء مثل هذا الطابع التجاري سيتطلب التنسيق بين الصناعات، إذ يحتاج موردو المنتجات مثل الصلب الى وجود توافق بينهم وبين زبائنهم والشركاء الماليين وصناع السياسات وغيرهم من أصحاب المصلحة للاتفاق على مسار لنزع الكربون بالنسبة إلى صناعاتهم.

إن مثل هذا التوافق يعتبر ضروريا للتحقق من أن الجميع يفهمون ما التقنيات التي تتقدم، وما وتيرة ذلك التقدم، وبوجود تلك المعرفة يمكن للجميع التوافق على عملية الاستثمار في الأصول منخفضة الكربون ذات دورات الحياة الطويلة، مثل مصانع الصلب ومصانع الأسمنت والسفن والطائرات.

وتحقيق هذا المستوى من التوافق عبر الصناعات العالمية ليس سهلا، ولكن يمكن تحقيقه، فمثلا هناك صناعة الشحن التي طورّت بالفعل مسارا عالميا لإزالة الكربون تحت قيادة ائتلاف الوصول الى الصفر التابع للمنتدى البحري العالمي، وإن عملية التوافق التي تتألف من أربع خطوات والتي تم تكريسها في مبادئ بوسايدن يتم حاليا تقليدها في قطاعات صعبة التخفيف وبقيادة تحالف شراكة المهمة المستحيلة.

وتحالف شراكة المهمة المستحيلة هو ائتلاف عالمي للقادة الصناعيين وقادة المناخ يركّز على تكثيف الجهود لإزالة الكربون من بعض أكثر صناعات العالم انبعاثا في السنوات العشر القادمة علما أن الأولوية الفورية هذا العام هي تسليط الضوء على القطاعات الصعبة التخفيف في مؤتمر تغير المناخ في غلاسكو (مؤتمر الأطراف 26) في نوفمبر القادم.

وفي حين ركزّت مؤتمرات الأمم المتحدة للتغير المناخي السابقة بشكل أساسي على الالتزامات الوطنية وصناعة السياسات فإن هناك حاجة لتفعيل آليات إضافية من أجل تسريع وتيرة تخفيض الانبعاثات، وإن الأهداف المناخية الطموحة لن تكون في متناول اليد حتى يقوم قادة الصناعات التي تنتج معظم الانبعاثات بإزالة الكربون من سلاسل التوريد العالمي بأكملها، وكما يحب زميلي السابق بول بودنار من شركة بلاك روك أن يقول: "الاقتصاد الحقيقي ليس مسألة ثانوية"، وإن رفع الصناعة الى المستوى نفسه من الأهمية مثل الحكومات الوطنية هو أمر حيوي.

وهناك بضع تقنيات رئيسة ستكون ضرورية لنجاح جهود إزالة الكربون في جميع القطاعات التي يصعب تخفيفها، ومن أهم تلك التقنيات الهيدروجين الأخضر الذي يتم إنتاجه مع الكهرباء المتجددة والتحليل الكهربائي، وهناك جهود جارية بالفعل لتوسيع نطاق إنتاج الهيدروجين الأخضر وذلك من خلال برامج مثل "غرين هيدروجين كاتابيولت"، وبرنامج وزارة الطاقة الأميركية الذي أُعلن عنه مؤخرا "هيدروجين شوت" والذي تم تصميمه على غرار برنامج "سن شوت" الذي نجح بشكل سريع في خفض تكاليف الألواح الشمسية وبالإضافة الى ذلك فإن هناك إشارات مبكرة على ارتفاع الطلب الصناعي على المنتجات المنخفضة الانبعاثات التي يوفرها الهيدروجين الأخضر، فعلى سبيل المثال أعلنت شركة فولفو لصناعة السيارات أنها ستحصل على الصلب الخالي من الوقود الأحفوري من مشروع الصلب الأخضر السويدي "هابريت".

وإن التقنيات لتحسين الفعالية هي من المكونات الرئيسة (وإن كانت أقل إثارة للاهتمام) في إزالة الكربون من القطاعات الصعبة التخفيف، وسواء تحسين الفعالية يعني نشر طائرات خفيفة الوزن أو إنشاء أبنية باستخدام كميات أقل من الصلب، فكلما استخدمت الصناعة طاقة أقل بشكل عام أصبحت العملية أكثر سهولة، وإن التحليل الأخير من مفوضية تحولات الطاقة يظهر أن الخطوة الأولى في إنشاء اقتصاد عالمي على أساس صافي صفر من الانبعاثات بحلول سنة 2050 هي بكل بساطة استخدام طاقة أقل يليها توسيع نطاق مصادر الطاقة النظيفة وتعميمها.

تسلّط مفوضية تحولات الطاقة كذلك الضوء على أهمية احتجاز الكربون وعزله والذي لن يكون ضروريا للتعويض عن العمليات الصناعية التي لا يمكن إزالة الكربون منها بالكامل فقط، بل أيضا لتقليل مستوى ثاني أكسيد الكربون المنبعث بالفعل في الغلاف الجوين وإن حساب الانبعاثات التاريخية عملية معقدة لم يتمكن معظم قادة الصناعات من وضعها بعين الاعتبار بشكل كامل، ولكن من الأفضل لهم البدء بالتفكير في ذلك الآن لأن أي مسار واقعي للحفاظ على الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية من مستويات ما قبل الصناعة يجب أن يشمل تقليل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

نحن لا نحتاج فقط الى إزالة كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، بل يجب علينا كذلك إيجاد حلول تخزين طويلة المدى لإبقائها مغلقة لمئات أو حتى آلاف السنين، وهنا تكمن الفجوة الكبرى بين هدف صافي صفر انبعاثات والتقنيات الحالية.

من الذي يجب أن يتحمل تكاليف التصدي للمشكلة؟ من المؤكد أن الكثير من الناس يجادلون بأن البلدان والشركات المسؤولة عن الحصة الأكبر من الانبعاثات العالمية التاريخية يجب أن تتحمل مسؤولية مماثلة عن إزالة ثاني أكسيد الكربون، وفي مقال قادم سيستكشف مجلس المستقبل التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي هذه القضية ويصف المقاربات المختلفة لكيف يمكن الوصول الى توافق عن مسؤولية الانبعاثات التاريخية.

وفي حين نتطلع قدما الى مؤتمر الأطراف 26، يجب علينا الاهتمام بشكل كاف بجميع تلك التحديات، حيث يجب على الحكومات الوطنية والصناعات العالمية على حد سواء العمل بشكل فوري لتخفيض الانبعاثات، وإن الاكتفاء بالتعهد للتصرف مستقبلا فقط لم يعد أمرا مقبولا، وكلما فشلنا في تأمين المزيد من مسارات التنمية المستدامة أصبح من الصعب المحافظة على درجات الحرارة العالمية بمستوى آمن، علما أنه حتى لو تمكنا من تخفيض الانبعاثات السنوية قليلا، فإن الكمية التراكمية من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هي ما يهم فعلا، ولو أن هذه الكمية لا تزال تنمو فإن المشكلة ستبقى بدون حل.

نحن بحاجة الى وجود قادة عالميين في كل مكان يدركون فداحة هذه الأزمة الملحة التي نواجهها، والمطلوب الآن تعاون جذري وعمل منسق من الجميع، علما أنه ليس الأجيال القادمة التي تعتمد علينا فقط، بل أيضا مئات الملايين من البشر الذين يعانون بالفعل من موجات الحر المريعة والحرائق والفيضانات والجفاف والعواصف، ومن كالفورنيا وتكساس الى مناطق بأكملها في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، فإن العواقب الكارثية للأزمة المناخية تتضاعف، وفي حين تكون كاليف تخفيض الانبعاثات كبيرة فإن هذه التكاليف لا تكاد تذكر مقارنة بتكاليف الفشل في تحقيق ذلك.

* الرئيس التنفيذي لمعهد روكي ماونتِن

* جولز كورتنهورست

Project Syndicate