صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4844

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

من صيد الخاطر: «المسألة الزنبورية»

  • 30-07-2021

«المسألة الزنبورية» هي اسم لمناظرة حصلت بين أسطورتي زمانهما وزماننا في علمي اللغة والنحو، سيبويه والكسائي، وهي حكاية قد تهم من هو متبحر في النحو، ومن هو مهتم بالعلم، فسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر، ولقبه سيبويه وهي كلمة فارسية تعني رائحة التفاح، فهو فارسي الأصل، قدم الى البصرة وهو غلام صغير، حيث مراكز العلم ومنابرها، فنشأ فيها ونهل المعرفة منها، كان شديد الذكاء، ومع حداثة سنِّه فقد رافق أهل اللغة والنحو، وكان أبرز من تتلمذ على يديهم الخليل بن أحمد إمام العربية وشيخها، وحماد بن سلمة، وغيرهما، حتى أصبح سيبويه حُجَّة العرب، ولذلك لقبه علماء اللغة بإمام النحاة، وهو أول من بسّط علم النحو.

أما الكسائي فهو علي بن حمزة بن عبدالله بن بهمن بن فيروز، كان أيضا إماما في اللغة والنحو والقراءة، فهو أحد القراء السبعة المشهورين، وهو أيضا أصلا من بلاد فارس، لقب بالكسائي لأنه أحرم مع الرشيد في كساء، وهو أيضا تتلمذ على يد الخليل بن أحمد وغيره من علماء الكوفة والبصرة.

نعود الآن الى حكاية «المسألة الزنبورية»، فيروى أن سيبويه قصد بغداد قادما من البصرة لقضاء بعض حوائجه، فقصد يحيى البرمكي وزير الخليفة هارون الرشيد، فأكرمه، وبعد أن استقرت به الحال طلب سيبويه من يحيى أن يناظر زعيم مدرسة النحو في الكوفة، العالم الجليل الكسائي، فوافق على ذلك مسرورا.

كان معلوما، وقتها، أن أشهر مدرستين في علم النحو وفنونه كانتا في الكوفة بزعامة الكسائي، والبصرة بزعامة سيبويه، الذي أثبت غزارة علمه رغم صغر سنه، وبالرغم من اختلاف المدرستين في كثير من المسائل النحوية، فإن هدفهما الخالص كان خدمة لغة القرآن.

بدأت المناظرة بنقاش بين الكسائي وسيبويه حول عدة مسائل، فأظهر كل منهما براعته ومهارته في اللغة والنحو، بعدها بدأت المناظرة التي تدور حولها «المسألة الزنبورية» بسؤال الكسائي لسيبويه بكيف تقول: «كنتُ أظن أن العقربَ أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ والزنبور حشرة تشبه النحلة ولكنها أكبر ولسعتها سامة ومؤلمة.

أجاب سيبويه قائلا: فإذا هو هيَ، ولا يجوز النصب، فرد الكسائي: لقد أخطأت، بل النصب صحيح كذلك فنقول: فإذا هو إياها، ويبدو أن النقاش طال بين الفطحلين، برع خلاله سيبويه وأجاد في تقديم حججه ودلائله، إلى أن وصلا إلى سؤال الكسائي حيث قال: كيف تقول «خرجتُ فإذا عبدالله القائمَ، أو القائمُ؟ فأجاب سيبويه قائلا: فإذا عبدالله القائمُ، ولا يجوز النصب أيضا، فرد الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه كذلك.

بعد أن طال الخلاف بين الاثنين، عرض الكسائي أن يستعان بمجموعة من الأعراب الأقحاح الذين ينطقون باللغة السليمة فطرة، فوافق سيبويه على ذلك، إلا أنه يبدو كما روي أن هناك من تدخل فأقنع الأعراب بأن يقفوا في صف الكسائي من دون علمه، وبالفعل حينما وقفوا أمامهما وسألهم عن صحة القول، رجحوا كفة الكسائي، إلا أن سيبويه طلب منهم أن يؤكدوا ذلك بنطقهم لجملة الكسائي، فلم تطاوعهم ألسنتهم، مما أثبت صحة نطق سيبويه.

لم يكن لسيبويه إلا الإذعان للأمر، فقصد بلاد فارس وفي قلبه غصة من تلك المناظرة، ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى مات.

حكاية «المسألة الزنبورية» تدل على أن الغش والرشوة والفساد متأصلة منذ القدم، وأسوأ الفساد والغش عندما يكون على حساب العلم، وهذه المسألة ونتيجتها التي كانت على حساب الحقيقة العلمية، لو أنها لم تذكر وتوثق، لتواترت بسببها الأخطاء اللغوية حتى يومنا هذا، أما آفة الغش فهي لا تزال متأصلة بين أجيالنا الحاضرة.

ملحوظة:

منقولة من التراث بتصرف.

طلال عبد الكريم العرب