صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4732

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

نفوذ دونالد ترامب لن يبلغ ذروته قبل 20 سنة!

انتهى عهد ترامب الرئاسي لكنّ عصره بدأ للتو، أقلّه من حيث النفوذ الذي يملكه في المحاكم الوطنية، فعند تقييم تأثير دونالد ترامب استناداً إلى عدد القضاة الذين عيّنهم حصراً، يسهل أن نستنتج أن نفوذه صادم بمعنى الكلمة، فهو عيّن 234 قاضياً، منهم 54 قاضي استئناف أقوياء، أي ما يساوي قاضياً واحداً من كل ثلاثة تقريباً، وفي المقابل، كان الرئيس باراك أوباما قد عيّن 172 قاضياً (30 منهم قضاة استئناف) خلال ولايته الرئاسية الأولى، أما الرئيس جورج بوش الابن، فعيّن 204 قضاة (منهم 35 قاضي استئناف)، لكن سيحصل ترامب على نفوذ يفوق ما توحي به هذه الأرقام لأن القضاة الذين عيّنهم لن يبلغوا ذروة نفوذهم قبل أربعينات القرن الحادي والعشرين، إذ سيكون رؤساء المحاكم المحسوبون على ترامب حينها في طريقهم إلى ترؤس معظم محاكم الاستئناف المحلية.

تنذر هذه التطورات بكارثة محتملة على مستوى المكاسب التقدمية في مجالات قانونية متعددة، بما في ذلك حقوق التصويت والرعاية الصحية، ويصبّ التركيز بشكلٍ أساسي على المحكمة العليا لتقييم هذه التطورات، لكنّ معظم الخطوات المؤثرة تحصل عملياً في المحاكم الأدنى مستوى، فقد أصدرت المحكمة العليا في ولايتها الأخيرة التي انتهت في شهر يوليو 63 قراراً مُوقّعاً. في المقابل، أصدرت محاكم الاستئناف الدورية قرارات في 48300 قضية في عام 2020. تملك المحكمة العليا الكلمة الأخيرة دوماً وسيُحدد القضاة الثلاثة الجدد الذين عيّنهم ترامب شكل القوانين طوال عقود، لكن سيتحدد مصير معظم طلبات الاستئناف (أكثر من 97% منها) في 12 محكمة من محاكم الدوائر الجغرافية بقيادة 167 قاضي استئناف فيها. وسيكون رؤساء المحاكم في كل دائرة الأكثر تأثيراً على تلك النتائج.

على المستوى الرسمي، يتولى كل رئيس محكمة دورَين أساسيَين، فهو يتعامل مع الشؤون الإدارية ويرأس جلسات الاستماع بكامل هيئاتها، إنها مهام ضرورية لكنها لا تُقارَن بالنفوذ الهائل الذي يتمتع به رئيس المحكمة وراء الكواليس، فهو يؤثر على اختيار القضاة في مختلف الهيئات، وتُحدد هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة مصير كل طلب استئناف، وقد تكون تركيبة تلك الهيئات مصيرية بالنسبة إلى القضية كلها.

لنتخيّل أن تشمل إحدى محاكم الدوائر المؤلفة من تسعة قضاة أغلبية من الليبراليين (5 مقابل 4)، حيث يستطيع رئيس المحكمة المحافظ أن يجمع ثلاثة ليبراليين في هيئة واحدة، ثم ينشئ هيئتَين يتفوق فيهما المحافظون (2 مقابل 1)، فيُغيّر بذلك توازن المحافظين في تلك المحكمة من أقلية نسبتها 44% إلى أغلبية بنسبة 67%، ويمكن تسمية هذه المقاربة «التلاعب القضائي».

تُستعمل التقنيات التي سهّلت تنفيذ هذه العملية منذ الآن، فقد حلل أستاذا القانون آدم تشيلتون ومارين ليفي من جامعة شيكاغو وجامعة ديوك على التوالي التركيبة الحزبية لمهام الهيئات، وتقدّم النتائج التي توصّلا إليها أدلة قوية مفادها أن العمليات العشوائية الصارمة لا تُستعمَل في جميع الحالات، مما يؤدي إلى تغيير التوازن الإيديولوجي للهيئات الناشئة. بعبارة أخرى، يستطيع رؤساء المحاكم أن يتحكموا باختيار القضاة ومناصبهم ضمناً، وقد تؤثر هذه الصلاحية على حقوق الملايين.

لا تزال نتائج هذه التركيبة حميدة اليوم بشكل عام، ففي جميع الدوائر تقريباً، تبدأ عملية التعيين بنظام آلي يُعيّن القضاة عشوائياً في هيئات المحاكم قبل السماح لرئيس المحكمة بتغيير تلك النتائج. حتى الآن، يطبّق رؤساء المحاكم حداً أدنى من التدخّل، فيحلّون المشاكل المرتبطة بتضارب المواعيد مثلاً أو يفصلون بين أعضاء الهيئة عند وجود خلافات بينهم، ويتردد رؤساء المحاكم اليوم قبل إغراق محاكمهم بتعيينات غير متكافئة.

لكن تشير معظم المعلومات التي نعرفها عن ترامب حتى الآن إلى استعداد البعض لتجاوز المعايير المعتمدة في سبيل تحقيق غاياته الخاصة، إذ يتمتع عدد كبير من القضاة الذين اختارهم ترامب «بخبرة واسعة في مجال الحروب الايديولوجية والسياسية»، وفق تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، وتذكر دراسة مرتقبة أن وصول القضاة الموالين لترامب إلى السلطة بعد ستين سنة من اتخاذ قرارات غير مسيّسة أدى إلى إحداث «تغيير جذري وبارز من الناحية الإحصائية» في عملية التصويت، مما قد يعني تحويل هذه المراكز إلى «سلاح لتحقيق رغبات الأحزاب التي تملك الأغلبية»، حتى أن هؤلاء القضاة قد لا يترددون في تعديل التعيينات القضائية لتحقيق نتائج معينة.


قد يبدو هذا الوضع مقلقاً حتى لو اقتصر تأثيره على عدد صغير من المحاكم مع مرور الوقت، لكنّ الواقع أكثر اضطراباً بكثير، إذ سيحصل هؤلاء القضاة على نفوذ هائل طوال عقود بفضل الاستثناءات التي استغلها فريق ترامب، فحين أنشأ الكونغرس منصب رئيس المحكمة في عام 1948، أراد بذلك ابتكار منصب مدته سبع سنوات، ويمكن أن يملأه قاضٍ يشغل منصبه منذ وقت طويل في إحدى محاكم الدوائر ويكون عمره أقل من 65 عاماً. استغل فريق ترامب هذا النظام عبر اتخاذ خطوتَين أساسيتَين، فبدأ باختيار مرشحين أصغر مما توقّعه الكونغرس يوماً، فقد انتشرت هذه النزعة على نطاق واسع، لكنها لن تكون السبب المباشر لزيادة عدد رؤساء المحاكم المحسوبين على ترامب مستقبلاً، أما الخطوة الثانية، فكانت تقضي بترشيح قضاة مؤهلين بحسب ترتيبهم العمري.

قد يتطور الوضع على الشكل التالي: يمكن اعتبار الأسماء التي اختارها ترامب صغيرة السن على نحو غير مألوف (يبلغ متوسط عمرهم 48 عاماً)، لكنّ تعيين ثلاثة قضاة بهذا العمر في دائرة واحدة لن يكون إيجابياً جداً، ففي معظم الدوائر، تنتج هذه الاستراتيجية رئيساً واحداً ويتجاوز القاضيان الآخران في عهده العمر المسموح به، وفي الحالة المثلى، سيتماشى العمر المطلوب مع معيار الأقدمية (بدءاً من عمر 48 عاماً ثم 44 ثم 38)، مما يسمح للأسماء الثلاثة بتولي منصب رئيس المحكمة، وبالتالي سيستمر حُكمهم طوال عشرين سنة في دائرتهم.

إنه النمط السائد في تعيينات ترامب وهو يُحقق نتائج بارزة وواقعية، فقد اتضح حجم هذا النمط المؤثر بعد تحليل جميع قضاة الدوائر منذ عام 1948 (يبلغ عددهم 574)، ومع مرور الوقت، من المتوقع أن يبقى رؤساء المحاكم المحسوبون على ترامب في مناصبهم لأكثر من 120 سنة، بما يفوق الأسماء التي عيّنها أي رئيس آخر في حقبة ما بعد الحرب. تجدر الإشارة إلى أن الرئيس أوباما كان قد اختار أربعة قضاة مؤهلين خلال ولايته الرئاسية الأولى، مقابل ثمانية في عهد بوش. لكن كان ترامب أفضل منهما، فعيّن 18 رئيس محكمة على مر الثلاثين سنة اللاحقة.

في الدائرة العاشرة مثلاً، اختار ترامب قاضيَين فقط لكن من المتوقع أن يُمهّد تعيينهما لخلافة مثالية، سيبلغ كلاهما 64 عاماً في السنة التي يستعدان فيها لاستلام رئاسة المحكمة، وفي المقابل، لن يكون أيٌّ من القضاة الخمسة الذين عيّنهم الرئيس أوباما في الدائرة العاشرة مؤهلاً لهذا المنصب لأنهم سيكونون جميعاً أكبر من العتبة المسموح بها في تلك المرحلة.

ستعطي استراتيجية ترامب ثمارها في العامين 2040 و2041، حين يستعد رؤساء المحاكم الذين عيّنهم للسيطرة على 11 دائرة من أصل 12، لكن سيزيد نفوذ ترامب قبل تلك المرحلة بكثير (سيتسلم أول رئيس محكمة محسوب عليه منصبه في عام 2027)، وقد يتوسع ذلك النفوذ بدرجة إضافية مستقبلاً، ومن المتوقع أن يبقى آخر رئيس محكمة من تعيين ترامب في منصبه حتى عام 2049، إلا إذا وقعت ظروف استثنائية.

لمواكبة هذا الوضع، يجب أن تتخذ إدارة بايدن خطوات استراتيجية مكثفة عند تعيين الأسماء في المناصب الشاغرة خلال الأسابيع والسنوات المقبلة. في معظم الدوائر، وحدهم المرشحون الأصغر سناً سيحصلون على فرصة استلام مناصب رؤساء المحاكم يوماً، منهم كانديس جاكسون أكيومي (41 عاماً) التي عيّنها بايدن في الدائرة السابعة، لكن كما حصل في استراتيجية ترامب الناجحة، يبقى الشباب مجرّد خطوة أولى في هذه العملية، وعلى جو بايدن أن يختار أسماء أصغر سناً مع مرور الوقت لتعزيز نفوذه خلال العقود المقبلة، فهذه الاستراتيجية لن تضمن ظهور جيل من رؤساء المحاكم التقدميين فحسب، بل إنها تشكّل أداة ضرورية لردع الفريق الآخر. قد يكون التهديد بظهور موجة تقدمية وشيكة الطريقة الوحيدة لمنع رؤساء المحاكم المحسوبين على ترامب من متابعة ألاعيبهم القضائية.

من خلال استباق الأحداث، نجح الجمهوريون في اكتساب نفوذ مستقبلي غير مسبوق في المحاكم، وإذا فشل الديمقراطيون في تبنّي مقاربة بعيدة النظر في التعيينات المقبلة، ستصبح مرحلة ما بعد عام 2040 حقبة ترامب بامتياز.

جاكوب فينكل - أتلانتيك