الفساد استفحل في بريطانيا خلال عهد بوريس جونسون!

نشر في 13-12-2020
آخر تحديث 13-12-2020 | 00:04
 الغارديان يعتبر الكثيرون طريقة تعامل الحكومة البريطانية مع فيروس "كوفيد-19" والمفاوضات المرتبطة بخطة "بريكست" شائبة وغير منطقية، لكن بعيداً عن جميع النقاشات المتعلقة بالاختبارات وتتبع الحالات ومعدات الوقاية الشخصية والجدل المرتبط بضرورة عقد اتفاق قبل تنفيذ "بريكست"، ماذا لو كانت الأزمة الراهنة تتزامن مع تنفيذ أجندة إيديولوجية خبيثة؟

اعتبر بوريس جونسون "كوفيد19" في إحدى المناسبات "سارقاً غير مرئي"، لكن هل يُعقَل أن يحمل الرأي نفسه يوماً عن تأثير حكومته على البلد عموماً؟ استعمل جونسون الأغلبية التي يملكها في البرلمان وأصدقاء "حزب المحافظين" في قطاع الأعمال والإعلام لإعفاء البريطانيين من الضوابط والتوازنات الديمقراطية وحتى من حرياتهم.

لنفكر بالخطوات التي اتخذها جونسون: هو مستعد للجوء إلى تشريعات طارئة لتجنب الأسئلة أو النقاشات الغريبة في مجلس العموم، وكانت البنود الواردة في قانون السوق الداخلية ستُسهّل عليه خرق القانون الدولي، ويسمح قانون الاستخبارات السرية ضمناً للعملاء السريين بمخالفة القانون عند رصد أي تهديد على الأمن القومي.

اتكلت بريطانيا طوال قرون على نظام الضوابط والتوازنات، حتى أنها اكتسبت سمعة دولية محددة بفضل هذا النظام، لكن سبق أن شاهدنا كيف يرفض وزراء جونسون نشر التقارير وعقود الشراء المرتبطة بفيروس "كوفيد19" والدراسات التي تحلل تداعيات "بريكست"، حتى أنهم يستخفون بتدقيق اللجان البرلمانية: رفض مستشار الخزينة ريشي سوناك المثول أمام لجنة اختيار الخزينة مثلاً، وتهرّب وزير شؤون الأعمال ألوك شارما من لجنة اختيار الأعمال.

من الواضح أن حكومة جونسون ليست حكومة "الأمة الواحدة" المحافِظة بل إنها ترتكز على مبادئ الانعزالية والاستبداد والنخبوية الاقتصادية، ويمكن إيجاد أفكار جونسون في كتيّب نُشر في عام 2012 بعنوان Britannia Unchained (بريطانيا غير المقيّدة) وقد شوهدت نسخة منه في إحدى المرات داخل سيارته، وتكلم مؤلفو هذا الكتاب (كواسي كوارتينغ، وبريتي باتيل، ودومينيك راب، وكريس سكيدمور، وليز تروس) بازدراء عن بريطانيا باعتبارها دولة متضخّمة حيث تكثر الضرائب والتنظيمات على الشركات وأرباب العمل، واعتبروا العمّال البريطانيين "من أسوأ الكسالى في العالم"، علما أن جميع مؤلّفي الكتاب عملوا في حكومة جونسون.

في عام 2016 كتب سوناك، الذي كان حينها نائباً غير مشارك في الحكومة، تقريراً لـ"مركز الدراسات السياسية" اليميني، فذكر أن "المنافذ المجانية" (أي المناطق التي تكون فيها الضرائب ضئيلة أو معدومة) هي أفضل طريقة لتعزيز النمو الاقتصادي و"تجديد التواصل بين بريطانيا وتاريخها البحري المجيد"، لكنه أغفل احتمال أن يُشجّع غياب التنظيمات على التجاوزات الضريبية والجرائم المنظمة وتبييض الأموال.

أينما تغيب الشفافية، تستفحل مظاهر الفساد والمحسوبيات سريعاً، وتستطيع خطيبة رئيس الوزراء البريطاني اليوم أن تُعيّن أصدقاءها في مناصب حكومية عالية الأجور من دون أن تضطر لإبلاغ أحد بقراراتها.

في عهد جونسون، ستنشأ إذاً نسخة جديدة من بريطانيا، حيث تتراجع الضرائب المفروضة على الشركات وضريبة الدخل والضمان الاجتماعي، وتنحسر تدابير حماية العمّال، وتخضع الخدمات العامة للخصخصة، مما يؤدي إلى زوال الدولة بالشكل الذي نعرفه.

لم يعتد البريطانيون على إحداث ضجة كبرى حول مختلف الأحداث، ويظن الكثيرون حتماً أن إقدام الحكومة على مخالفة القانون "بطرقٍ معينة ومحدودة جداً" لا يدعو للقلق، لكنّ التشريعات الهائلة التي لم تخضع للتدقيق البرلماني بل تم إقرارها من دون مراجعتها بالشكل المناسب ستبدأ بالتأثير على حياة الناس العاديين.

قد يرغب البريطانيون قريباً في الاحتجاج على الوضع القائم، فيكتشفون أن حقهم بالاحتجاج أصبح أضعف من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه، سيفهم الناس أن ظاهرة جونسون هي مرادفة للداروينية: وحدهم الأقوياء والأثرياء يزدهرون في هذا البلد، وسيدرك الناس خارج هذه الأوساط النخبوية في نهاية المطاف مدى استفحال الفساد في بلدهم وحجم الأشياء التي سلبها هذا "السارق غير المرئي".

* جينا ميلر *

الغارديان

back to top