صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4598

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الكاتبة فاطمة بن محمود: الرفض جوهر العملية الإبداعية

كاتبة تونسية دخلت عش الدبابير برواية «الملائكة لا تطير»

يزدحم رأسها بفيض من الأسئلة المحيرة، لذا فإنها تتخذ من أنماط الكتابة المختلفة وسيلة للتعبير عن هذه التساؤلات، فنجدها تبدع في الرواية والقصة والشعر، كما تكتب المقالة وتمارس النقد الأدبي باحتراف، وفي حوار أجرته معها "الجريدة" من القاهرة، قالت الكاتبة التونسية فاطمة بن محمود، إن روايتها الشهيرة "الملائكة لا تطير" التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة راشد الشرقي للإبداع (2019) دخلت عش الدبابير واستطاعت أن تفضح التطرف الديني، مؤكدة أن الرفض هو جوهر العملية الإبداعية، لذا تعددت اللاءات في عناوين كتبها... وفيما يلي نص الحوار:

● كونك تكتبين الرواية والقصة القصيرة جداً والشعر، ما الذي يجب أن يتوفر في الأديب الذي يكتب أجناساً أدبية مختلفة؟

- لا أفضل أن أجيب فأتحدث عما يجب أن يكون كأني أقدم وصفة جاهزة وهو ما يجعلني أبدو في دور الواعظ، ومثلما قال ماركيز "أنا لم آتِ إلى هنا لألقي خطاباً"، لذلك سأجيب عن هذا السؤال من خلال ممارستي الذاتية للكتابة.

كتبتُ في الشعر والقصة القصيرة جداً والمقالة النقدية، كما لي مخطوطان في أدب اليوميات والرسائل الأدبية. أعتقد أني امرأة لها الكثير من الأسئلة التي تجعلني في حيرة مربكة ودهشة متواصلة، لا أملك أجوبة نهائية لكل أسئلتي، لذلك أحاول أن أكتب كطريقة مني لتفكيك أسئلتي والبحث فيها لفهم ما يمور في داخلي ويدور حولي، هنا أستعين بما أسميه الذكاء الأدبي الذي يجعلني أنصت إلى تلك الأسئلة وهي تختار نمطها الأدبي الذي تحب أن تكون فيه، لذلك قد أفاجئك إن قلت إني لا أتدخل في المسألة ولا أقترح على نفسي أن أكتب في هذا النمط أو ذاك، لكن السؤال هو الذي يختار مضماره والفكرة هي التي تقترح حقلها، هناك سؤال يقترح أن يكون في شكل ومضة شعرية وآخر لا يجد نفسه إلا داخل نسق روائي أو يكتفي بأن يكون في رسالة أدبية، في كل ذلك لا توجد مفاضلة بين الأنماط الأدبية لأن ما يميز أحدها عن الآخر هو تمكّنها من شروط الإبداع. لذلك ما يشغلني في كل ذلك هو كيف أنجح في صياغة إبداعية لأسئلتي وكيف أكتب بطريقة لافتة وناجحة.

بهذا المعنى لا يصبح تعدد الأنماط الأدبية هدفاً في ذاته، بل مجرد وسيلة للتعبير الجيّد عن أسئلة مزعجة، عن أفكار تثير قلقي، عن واقع أعيشه ويجعلني غاضبة باستمرار.

● روايتك المهمة "الملائكة لا تطير" تعرّي الفكر المتطرف، كيف يكون الإبداع أداة لمحاربة أمراض المجتمع؟

- أنت تسأل عن دور الإبداع في المجتمع، وهذا مهم لأنه يجعل الكتابة وظيفية، نحن لا نكتب لمجرد الترف الفكري بل نكتب لنفكر، وفي روايتي "الملائكة لا تطير" كنتُ أسأل: لماذا يزحف التطرف الديني في مجتمعاتنا في لحظة يعيش العالم معجزات علمية وتطوراً تكنولوجياً رهيباً؟ ولماذا نعود للماضي المقدس من دون قراءة علمية دقيقة ومن دون تحيين دلالاته والعالم يتقدم من حولنا بخطى حثيثة؟ لماذا نهين جسد المرأة وننكّل بها باسم المقدس؟! ولأن التطرف الديني يهدم الأفراد والمجتمعات، يجب أن نفكر فيه بوسائل مختلفة من بينها الأدب.

في هذا الإطار تتنزل روايتي "الملائكة لا تطير" التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة راشد الشرقي بالإمارات في دورتها الأولى. غير أن طبيعة هذه الروايات الجريئة التي تدخل يدها مباشرة في عش الدبابير وتفضح التطرف الديني تدفع ضريبة قاسية لها، فقد تحفظت لجنة النشر في هذه الجائزة على نشرها وترجمتها مثلما نص العقد على ذلك، أفهم موقف لجنة النشر التي يبدو أنها تقرأ الرواية بعين المتطرف الديني نفسه! ولا أجد تفسيراً لذلك، لأن أي لجنة يجب أن تدافع عن العقول المبدعة وتحمي شجاعتها لا أن تتراجع وتترك بذلك مساحة يكسبها التطرف الديني على حساب الإبداعي، وهذه مناسبة لأحيي الناشر التونسي مجدي بن عيسى صاحب دار زينب للنشر على شجاعته عندما نشر الرواية.


● "رغبة أخرى لا تعنيني"، "الوردة التي لا أسميها"، "الملائكة لا تطير"... ما سرّ اللاءات المتعددة في أعمالك الأدبية؟

- مثلما هتف الفيلسوف الفرنسي ألان "أن نتفلسف هو أن نقول لا"، أعتقد أيضاً أننا نكتب لنقول "لا" بصوت مرتفع.. لا للوعي السائد ولا للأحكام الجاهزة ولا للحياة الساكنة ولا لصمت البيوت ولا لإلجام العقل. الرفض هو سر العملية الإبداعية ومحركها ولا معنى لأي كتابة تأتي لتحافظ على ما هو موجود، لا يأتي المبدع لتأييد السياسي أو ليكون "برغي" في مكينة المؤسسات الرسمية، ولعلنا بهذا نميز بين الكُتّاب والكَتَبَة. أعتبر الرفض جوهر العملية الإبداعية والمبدع الحقيقي لن يتباهي بشجاعته الأدبية لأنها ليست ميزة يضيفها هو على الإبداع، بل هي شرط ملزم له وهذا ما يجعل من الكتابة مغامرة حقيقية، لذلك أن نكتب هو أن نجتاز الخطوط المرسومة مسبقاً وأن نكتشف طرقاً جديدة لدخول الغابة وهو الاسم الآخر للعالم، وأن نبحث عن مجرى مختلف لنهر الحياة.. لذلك من خلال ما أكتب أقول أنا جئت هذه الحياة لأقول لا.

● برأيك لماذا يبدو الحضور الشعري للمرأة العربية ضعيفاً جداً، هل ثمة تعمد ذكوري لتهميش تجربتها؟

- حضور المرأة في الأدب انعكاس لحضورها في المجتمع، ونحن لا نزال نعيش في قبضة التاريخ الذي يحكمه الوعي الذكوري بالأساس، لذلك تاريخنا يكتبه الذكر وينتصر فيه لنفسه دائماً، وهذا ما يجعلنا نعيش لحظة هشة تعج بالهزائم والانكسارات لأن المرأة بما هي نصف المجتمع مُقعدة وعليلة ولا دور لها. لذا دخلت المرأة المشهد الأدبي متأخرة زمنياً عن الرجل، مما جعل البعض يعتبر إسهاماتها الأدبية ترفاً في حين أن ما تكتبه المرأة اليوم بالعمق والثراء نفسه، وله أهمية ما يكتبه بعض المبدعين الرجال، ولكن للأسف حضورها لا يزال مهمشاً.

أنا أدعو المرأة أن تدافع عن صوتها الإبداعي، لا أحد سينصفها غير مهارتها في تجويد ما تكتب، وعلى الرجل أن يهتم بما تكتبه المرأة وأن يفهم أنه ليس من مصلحته أن يحتكر المشهد الأدبي لأن خطافاً واحد لا يصنع ربيع الأدب، ثم إن واقعنا العربي من الرداءة بحيث يحتاج إلى كل المبدعين والمبدعات لينفضوا عنه غبار التخلف والجهل ومساعدة المجتمع على طرح الأسئلة الحقيقية من أجل الدفاع عن الإنسان والأرض.

● ما المشروع الأدبي الذي تعكفين عليه الآن؟

- حالياً بصدد مراجعة مخطوط أدبي عنوانه "صديقتي القاتلة" يتنزّل ضمن أدب اليوميات، وهي تجربة إبداعية أخوضها بتأثير من أجواء الحجر الصحي الذي عشته ويتنزل ضمن أدب الأوبئة، كما أنتظر صدور كتاب نقدي لي أشتغل فيه على التجربة الأدبية للأديبة الكويتية ليلى العثمان من المتوقع أن يصدر قريباً عن "دار العين" بمصر.

لا معنى لأي كتابة تأتي لتحافظ على ما هو موجود

الكتابة وسيلة للتعبير الجيّد عن الأسئلة المزعجة