صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4597

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عودة إلى الهيمنة الأميركية الليبرالية

  • 17-11-2020

كل من شعروا بالخوف من ترامب واحتقروه ينبغي لهم أن يطمئنوا بفعل نتيجة انتخابات 2020، فسيستخدم بايدن بلا شك سيف أميركا الجبار بقدر أكبر من الحكمة، وبوجه أكثر ودا، وعندما يأتي يوم التنصيب في يناير، ستكون أميركا منفتحة على العمل مرة أخرى.

بعد أربع سنوات من حكم دونالد ترامب، يرفع رحيله الوشيك الآمال إلى عنان السماء، فالآن سيحل جو بايدن، الرجل صاحب الميول الدولية والمؤسسية، محل الـمُـعَـطِّـل الأعظم، وهو يحب أوروبا ومنظمة حلف شمال الأطلسي، وعلى النقيض من ترامب سيعامل أصدقاء أميركا بشكل أفضل من معاملته لخصومها التقليديين، بما في ذلك من خلال احترام التجارة الحرة. وفي عالَـم الأمن، لن يُـمـطِـر الحلفاء بتهديدات ترقى إلى مستوى "إما أن تدفعوا أو ننسحب!"، وستعود التعددية إلى توجيه السياسة الأميركية مرة أخرى، وستعود أميركا إلى الهيمنة الليبرالية بدلا من النسخة غير الليبرالية الضيقة الأفق التي انتهجها ترامب.

يعني وصف "الليبرالي" ضمنا نظاما دوليا قائما على القواعد، فضلا عن الترويج للديمقراطية، والمجتمعات المفتوحة. الواقع أن ترامب لم يـهـجـر هذه المبادئ فحسب، بل أظهر أيضا ولعه بالرجال الأقوياء في العالم (الحكام المستبدين)، فلم يتورع عن مغازلة أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ودكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون بالتناوب.

كانت لعبة ترامب محصلتها صِـفر على نحو ثابت لم يتغير، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالتجارة، وكان هذا خروجا لافتا للنظر عن التقليد الأميركي الذي ظل قائما منذ ما بعد الحرب، والذي أَكَّـد النتائج ذات المحصلة الإيجابية التي تضمن الفوز للجانبين. لقد جَـرَّ ترامب العالم إلى سياسات القوة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر: الدول بموجب هذه الرؤية ليس لديها أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة.

بطبيعة الحال، نأمل الآن استعادة النظام الليبرالي القديم، وستحدث بعض عمليات إعادة البناء في عهد بايدن، الرئيس الذي تمرس لما يقرب من نصف قرن من الزمن على عادات الإمبراطورية الليبرالية الأميركية، ولكن يجب أن ننتبه إلى حقيقة مفادها أن فترة ولاية ترامب لم تكن شذوذا تاما، بل كان تحول أميركا نحو مبدأ "المزيد لنا" و"الأقل لهم" سابقا لمجيء "القائد الأعلى للمغردين".

ينبغي لنا أن نتذكر أنه في حين أمر ترامب بسحب الآلاف من القوات الأميركية من أوروبا في عام 2020، فإن إدارة باراك أوباما (حيث شغل بايدن منصب نائب الرئيس) فعلت ذات الشيء في عام 2012، وعلى الرغم من كل تقريع ترامب لأوروبا، فقد اشتكى أوباما أيضا من أن "ركاب المجان يغضبونني"، وكان أوباما هو الذي بادر إلى تقليص قوات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث خفض القوات في أفغانستان والعراق في حين رفض التدخل ضد حرب بشار الأسد الكيماوية في سورية.

عندما وَعَـدَ ترامب بإنهاء "حروب أميركا السرمدية"، فإنه كان يحاكي أوباما، وكان سلف ترامب التقدمي هو الذي بدأ التجريب مع الانعزالية الجديدة، معلنا أن "الوقت حان للتركيز على بناء الأمة هنا في الوطن"، وقد ردد ترامب هذا السطر عندما تعهد ببرنامج لتشييد البنية الأساسية بقيمة تريليون دولار أميركي، "أميركا أولا" من أجل التنمية المحلية والرفاهية.

المقصود هنا هو إظهار حقيقة مفادها أن انغلاق أميركا على ذاتها كان سابقا لمجيء ترامب، ولن يرتد في الاتجاه المعاكس بشكل كامل في عهد بايدن، ذلك أن سياسات الحماية- صَـد المنافسة الأجنبية- لها جاذبيتها على اليمين واليسار. كانت سياسة الهجرة السخية مقبولة طالما كان الديمقراطيون في المعارضة، حيث كانوا يصورون الجمهوريين على أنهم أصوليون وضيعون كارهون للأجانب، لكن إدارة بايدن لن تفتح أبواب أميركا أمام الجماهير المحتشدة من مختلف أنحاء العالم ولن تهدم تلك الأجزاء من الجدار الحدودي مع المكسيك التي أقيمت بالفعل في عهد ترامب.

لن تتخلى إدارة بايدن أيضا عن التنافس على السلطة مع الصين، التي تُـعَـد سياسات الحماية التي تنتهجها واستيلائها على حقوق الملكية الفكرية من مصادر التوتر الثابتة، وستستمر الولايات المتحدة في تأكيد وجودها في منطقة غرب المحيط الهادئ، حيث تتصاعد خصومة كلاسيكية بين قوة برية صاعدة وقوة بحرية راسخة، والديمقراطيون والجمهوريون ملتزمون إلى حد كبير بخطة الاحتواء 2.0، التي تطوق لاعبين إقليميين مثل الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وأستراليا.

فيما يتصل بالشرق الأوسط، أَكَّـد بايدن بالفعل أنه سيحاول استعادة الاتفاق النووي مع إيران، وإن لم يكن بالطرق القائمة على النوايا الحسنة التي اتبعها رئيسه السابق أوباما، ولن تَـمَـس الإدارة الجديدة التحالف الجديد المناهض لإيران بين إسرائيل وبلدان الخليج العربي، كما أنها لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته إدارة أوباما في ملاحقة هدف "إعادة ضبط العلاقات" مع روسيا.

منذ عام 2009، تحولت روسيا بوتين إلى قوة توسعية ضاغطة على أوروبا، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط، وفي حين يهتف الأوروبيون لانتصار بايدن، ينبغي لهم أن يكونوا مستعدين لتجدد المطالب الأميركية بزيادة إنفاقهم الدفاعي، وعلى المنوال ذاته ينبغي لألمانيا أن تتوقع المزيد من مقاومة الولايات المتحدة لتمديد خط أنابيب نورد ستريم 2، وهو مشروع روسي ألماني مشترك يتجنب المرور عبر أوروبا الشرقية ويزيد من اعتماد ألمانيا على روسيا في تغطية احتياجاتها من الطاقة.

حتى عندما يقدم بايدن نفسه على أنه مناهض لترامب، فإنه يعتزم مواصلة السعي إلى تحقيق بعض المصالح الاستراتيجية الأميركية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالصين، وروسيا، والمنافسة التجارية مع أوروبا. مع ذلك، وكما يقول الفرنسيون، فإن النغمة هي التي تصنع الموسيقى، وستُـدخِـل إدارة بايدن تغييرا هو الأكثر استحقاقا للترحيب على الدبلوماسية الأميركية، حيث تحل الاحترافية الدمثة محل حماقة ترامب.

كما هي الحال في الحياة الخاصة، يقطع الاحترام والكياسة شوطا طويلا في العلاقات الدولية، فإلى جانب تحسين النغمة، سيلاحق بايدن عددا أقل من الممارسات ذات المحصلة الصفرية والمزيد من الممارسات ذات المحصلة الإيجابية، وسيركز على المصالح المشتركة ويسعى إلى استعادة الزعامة الأميركية من خلال الفوز بالقبول لا من خلال الأحادية الفظة. على سبيل المثال، يعتزم بايدن وقف انسحاب القوات الأميركية من أوروبا الذي أمر به ترامب.

عن طريق التخلي عن عقيدة "أميركا أولا" التي كانت لها الـغَـلَـبة في عهد ترامب، سيقدم بايدن الغوث، لكنه لن يقدم أي وجبة مجانية، لبقية العالم الغربي، وكما كتب في وقت سابق من هذا العام في مجلة فورين أفيرز، فإن "أجندة إدارته السياسية ستعيد الولايات المتحدة إلى رأس الطاولة"، حيث لا تتولى القيادة "بمثال قوتنا فقط، ولكن أيضا بقوة مثالنا".

لكن القوة هي القوة في نهاية المطاف، ولا تزال القوة الأميركية منقطعة النظير في مختلف المجالات، والواقع أن كل من شعروا بالخوف من ترامب واحتقروه ينبغي لهم أن يطمئنوا بفعل نتيجة انتخابات 2020، فسيستخدم بايدن بلا شك سيف أميركا الجبار بقدر أكبر من الحكمة، وبوجه أكثر ودا، وعندما يأتي يوم التنصيب في يناير، ستكون أميركا منفتحة على العمل مرة أخرى، ولكن ينبغي للعالم أن يكون مستعدا لبعض المساومة الصعبة.

* جوزيف جوفي*

زميل مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد، وعضو المجلس التحريري للصحيفة الألمانية الأسبوعية Die Zeit.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»