صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4637

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الصحافي الأميركي بوب وودوارد عن انتخابات 2020: كيف لا نقلق على مستقبل الولايات المتحدة الآن؟!

كان الصحافي المشهور بوب وودوارد وراء إسقاط الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بعد انتشار تقاريره عن فضيحة «ووترغيت». ويتكلم وودوارد، في هذه المقابلة مع صحيفة «دير شبيغل»، عن تعامل دونالد ترامب «الكارثي» مع فيروس كورونا، ونتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة وكتابه الجديد Rage. وتبدو واشنطن «ميتة» في ظل تفشي «كوفيد- 19» اليوم، إذ أُغلِقت مكاتب كثيرة في محيط البيت الأبيض، وغالباً ما تكون المطاعم القليلة التي أبقت أبوابها مفتوحة في العاصمة الأميركية فارغة.

يعمل الصحافي بوب وودوارد (77 عاماً) من منزله أيضاً طوال عقود، وكان هذا الرجل من أهم مؤرّخي الشؤون السياسية في العاصمة واشنطن، ففي بداية السبعينيات كشف عن فضيحة "ووترغيت" مع زميله كارل بيرنستاين في صحيفة "واشنطن بوست"، مما أدى إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1974.

ثم أصدر وودوارد كتباً عن اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية، وعن جورج بوش الابن وباراك أوباما، وفاز بجائزتَي "بوليتزر".

وفي خضم تحضيراته لكتابه الجديد Rage (الغضب)، الذي نُشِر للتو باللغة الألمانية، أجرى مقابلات مع كبار الشخصيات الحكومية على مدى عشرة أشهر، بما في ذلك الرئيس دونالد ترامب.

كلمات ممكنة

• وودوارد، تستنتج في كتابك أن ترامب ليس الرجل المناسب لتولي رئاسة الولايات المتحدة. ما السبب؟

- قد استنتجتُ أن الأدلة كثيرة على فشله الكارثي في إدارة أزمة فيروس كورونا. خلال اجتماع بالغ السرية مع مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين ومسؤولين آخرين في 28 يناير، قيل له بأوضح كلمات ممكنة أن الوباء قادم، وأنه سيكون مشابهاً لوباء الإنفلونزا الإسبانية الذي قتل 675 ألف شخص في هذا البلد في عام 1918. مات 50 مليون شخص بسبب ذلك الوباء منذ قرن من الزمن. لكن بدلا من أن يعلن ترامب حقيقة ما يحصل أمام الرأي العام، فضّل إخفاء الموضوع.

حتى الآن، أصيب أكثر من 8 ملايين شخص بـ "كورونا" في الولايات المتحدة، ومات أكثر من 217 ألف أميركي بسببه.

وكان الرئيس يستطيع أن يصارح الرأي العام بحقيقة ما يحصل، لا سيما خلال خطاب "حالة الاتحاد" الذي ألقاه في 4 فبراير أمام الكونغرس. لكن اقتصرت مدة كلامه عن الفيروس على 15 ثانية تقريباً! فقال إننا نبذل قصارى جهدنا في هذا المجال. شاهده حينها 40 مليون شخص. كان يستطيع أن يقول: "لقد تلقيتُ تحذيرات ونحن نواجه أزمة صحية وشيكة"، لكنه لم يتخذ أي موقف مماثل.

• هل لديك تفسير لهذا التصرف؟

- بناءً على تقاريري المكثفة عنه، وبعد التكلم معه، تسع ساعات خلال هذه السنة وحدها، أظن أنه لا يفهم مسؤوليته بحماية الشعب بصفته رئيس البلد، كما أنه لا يدرك أنه مسؤول عن إخبار الناس بالحقيقة. هو لا يفهم أيضاً أن مسؤوليته الأخلاقية تفرض عليه أن ينفذ واجباته الرئاسية. أعرف عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المقتنعين بأن ترامب ليس الرجل المناسب لهذا المنصب، لكنهم لا يعترفون بهذا الموقف علناً بل يلتزمون الصمت، استناداً إلى الأدلة التي أملكها، لن أنضم إلى صفوف الصامتين.

• أراد ترامب أن يتكلم معك عن كتابك الجديد كي يفسّر وجهة نظره على الأرجح. لذا أجريتَ 18 مقابلة معه، وكان يتصل بك أحياناً خلال الليل، كان يتصل بعد الساعة العاشرة مساءً. وكنتَ تحمل معك دوماً مسجّلاً صوتياً كي تسجّل كلامه إذا استدعاك من دون سابق إنذار.

- كنتُ مضطراً لفعل ذلك. لم أحمل الجهاز معي في إحدى المرات، ولم أستطع حينها تسجيل كلامه. لذا دوّنتُ الملاحظات خطّياً.

أوامر التعيين

• كيف كانت لقاءاتك مع ترامب في المكتب البيضاوي؟

- حصلت المقابلة الأولى في 5 ديسمبر 2019، أي في السنة الماضية. دخلتُ إلى المكتب، وأنا أحمل معي جهاز التسجيل الصغير من نوع "أوليمبوس". شغّلتُه ووضعتُه على المكتب، وقلتُ له: "سأسجّل كل ما تقوله استعداداً لنشر الكتاب بين سبتمبر وأكتوبر". ثم أخبرتُه مراراً أنني أسجّل كلامه. فأجاب أنه يعرف ذلك. حين دخلتُ إلى المكتب، وجدتُ صور كيم جونغ أون هناك.

وشمل أحد الملفات نسخاً من الرسائل التي تبادلها مع كيم، ووضع ترامب في وسط المكتب أوامر التعيين الرسمية الخاصة بمناصب القضاة، وهي مسألة بالغة الأهمية بنظره. هذه هي المعدات التي يملكها بشكل عام.

• هل كان ترامب يحاول إثارة إعجابك؟

- قد عرض أمامي صور كيم جونغ أون، واعتبرها فريدة من نوعها، لكنها كانت مألوفة، انتشرت الصور نفسها في كل مكان على شبكة الإنترنت.

• كتبتَ أن تلك الرسائل التي أرسلها له كيم جونغ أون كانت مليئة بالإطراء، وقد ناداه فيها كيم بعبارة "فخامة الرئيس"، وكتبتَ في إحدى المرات أيضاً أن علاقته مع ترامب كانت أشبه بفيلم خيالي، فما الذي فكرتَ فيه حين قرأتَ تلك الرسائل؟

- ظننتُ أن ترامب يقوم بتصرفاته المعتادة. أخبرني أنه لم يقدم شيئاً لكيم جونغ أون باستثناء لقاء واحد. كان قراره محفوفاً بالمخاطر. لكن يقول ترامب، إننا لم نواجه حرباً معه، وقد ظن أن الحرب وشيكة في مرحلة معينة. لكني لستُ واثقاً من ذلك. ربما كان ترامب محقاً في ما فعله أو ربما كان مخطئاً. لن نتأكد من ذلك يوماً. لكن بعدما عملتُ مع القوات البحرية الأميركية خلال حرب فيتنام، وبما أنني أدرك حقيقة الحروب وعواقبها المؤلمة، لا بد من الإشادة بترامب لأنه لم يعلن الحرب.

لكن كانت التحضيرات قائمة لشنّ ضربة نووية وذهب جيم ماتيس، وزير الدفاع الأميركي حينها، إلى الكاتدرائية الوطنية في العاصمة واشنطن للصلاة.

يا لها من لحظة تاريخية أن يضطر وزير الدفاع للصلاة، ويفكر في أن مسؤولياته قد تفرض عليه القضاء على ملايين الناس لحماية بلدنا. إنها فكرة مرعبة!

الرجال الثلاثة

• تتعدد المشاهد المثيرة للاهتمام في الكتاب، كتلك التي تَصِف العلاقة بين ترامب وكبار المسؤولين الآخرين، بما في ذلك ماتيس ووزير الخارجية السابق ريكس تيليرسون ومدير الاستخبارات الوطنية السابق دان كوتس. يستنتج هؤلاء المسؤولون كلهم أن هذا الرئيس يطرح تهديداً على الأمن القومي الأميركي. لماذا عملوا في إدارته إذاً؟


- هو وظّفهم! كان الرجال الثلاثة، أي ماتيس وتيلرسون وكوتس، يتجهون نحو نهاية مسيرتهم المهنية. تعهد الرئيس أو أوحى لهم بأن وزاراتهم ستكون تحت سيطرتهم، وأنهم يستطيعون التواصل معه دوماً. إنه جزء من كلامه الخادع والوعود التي نكث بها، لقد تجاهلهم ترامب بكل بساطة، وراح يصدر الأوامر عبر تغريداته على "تويتر"، من دون أي تنظيم أو مشاورات. كان ماتيس محقاً حين قال، إن الحكومة التي تخضع لنزوات ترامب الآنية ومواقفه الخطيرة تُعتبر غير منطقية. إنه فشل واضح في القيادة.

تحقيق مولر

• أنتَ كشفتَ فضيحة "ووترغيت". هل يمكن مقارنة ترامب بريتشارد نيكسون من ناحية معيّنة؟

- كان نيكسون مجرماً، وقد كتبنا ذلك صراحةً، وتأكدنا من ذلك عبر تسجيلاته السرية، لكن لم يثبت أحد أن ترامب مجرم على حدّ علمي. تكثر الأسئلة حوله طبعاً. تابعنا تحقيق مولر وإجراءات عزله، لكن لم يثبت أحد إجرامه يوماً. لقد فشل ترامب في المقام الأول في حماية البلد من الوباء. خلال حرب فيتنام، بلغ عدد القتلى الأميركيين 58 ألفا. لكنّ الوباء سيصبح قريباً السبب في مقتل أربعة أضعاف ذلك العدد في الولايات المتحدة. من واجب الرئيس أن يحذر الشعب. لكن لم يفعل ترامب ذلك، بل أنكر الوقائع، وفشل في إدارة الأزمة، وما من خطة واضحة حتى الآن.

• يقول الكثيرون إن الديمقراطية أصبحت بخطر في الولايات المتحدة، ويريد ترامب أن يحكم البلد على طريقة الحكام المستبدين. هل توافقهم الرأي؟

- ذكرتُ في الكتاب أن القيادة فشلت لكنّ الديمقراطية لا تزال صامدة، حتى الآن على الأقل. لا ينشغل الرئيس مثلاً بإغلاق الصحف، ولم يقتحم أحد مكاتبي أو منزلي. لا تزال الصحافة الحرّة ناشطة، ولدينا نظام انتخابي فاعل مع أنه هاجمه أيضاً.

فشل الحزبين

• توحي معظم استطلاعات الرأي أن ترامب سيخسر في انتخابات 3 نوفمبر وسيكون فوزه احتمالاً وارداً طبعاً. يظن البعض أن فوزه مستحيل، لكني لا أصدق استطلاعات الرأي. تكلمتُ معه بالتفصيل عن هذا الموضوع. هل سمعتم بكتاب The Guns of August (بنادق أغسطس) لباربرا توشمان؟

- يتناول هذا الكتاب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتكلمتُ مع ترامب عن هذا الكتاب. تذكر باربرا توشمان أن النظام القديم في أوروبا قبل الحرب كان يُحتضر، ولم يدرك الناس حقيقة ما حصل، أنا أظن أن النظام القديم كان يُحتضر في هذا البلد في عام 2016، لكن فشل الحزبان في إدراك هذه الحقيقة، ولم يفهم الطرفان الآراء التي عبّر عنها الشعب صراحةً أو لم يعبّر عنها. لكن حصل أمر مدهش، بحسب رأيي، فأدرك ترامب ما يحصل بناءً على حدسه، لا مهاراته الفكرية، لقد فهم وجهة التاريخ في عام 2016 وحقق الفوز لهذا السبب. تكلمتُ معه عن هذا الموضوع، فقال: "نعم، لقد فهمتُ ما حصل"، وأضاف أنه سيعيد الكرّة.

انتقال السلطة

• هل تظن أن ترامب لن يتقبّل نتيجة الانتخابات إذ لم يَفُز بولاية ثانية؟

- هو قال ذلك بنفسه، ومن المعروف أنه يثير الشكوك دوماً. قد يحصل ما هو غير متوقع مجدداً. من مسؤولية أي رئيس أن يضمن انتقال السلطة، ويتأكد من نزاهة التصويت، وهو أبسط حق يملكه الأميركيون، لكن انقلب ترامب على كل شيء، وقال: "لن نعرف هوية الرئيس المُنتخَب". ثمة مستوى غير مسبوق من الفوضى التي تُهدد مسار الانتخابات.

البراءة المتبقية

• هل تشعر بالقلق على مستقبل بلدك؟

- نعم، كيف لا نقلق على مستقبل الولايات المتحدة الآن؟ ربما كنا نعيش في فقاعة داخل هذا البلد طوال مئات السنين. لقد واجهنا ظروفاً بالغة الصعوبة وأحداثاً مريعة بالنسبة إلى الأميركيين، ووقعت أزمات مثل اغتيال كينيدي وحرب فيتنام. لكن جاء ترامب الآن ودمّر أي شكل من البراءة المتبقية. كيف يمكن أن نجدد ثقة الناس بالمؤسسات؟ أعني بذلك الثقة بالعاملين في مجال الإعلام الإخباري أيضاً. لقد تلاشت الثقة بنا، ويجب أن نعترف بذلك.

التسجيلات الصوتية

• ما معنى هذا الوضع بالنسبة إليك؟

- عرفتُ مسألة أثارت دهشتي في الشهر الماضي. بعد صدور الكتاب، أقنعتني مراسلة قناة "سي إن إن"، جايمي غانجيل، وزوجتي إيلسا والش، بنشر التسجيلات الصوتية للمحادثات مع ترامب. قلتُ لهما إن محتواها وارد في الكتاب. لكنهما قالتا لي إن الوضع مختلف: "يجب أن تنشر التسجيلات الصوتية كي يسمع الناس تلك الكلمات بأنفسهم. لا يثق الناس بوسائل الإعلام الإخبارية. لكن حين يسمعون ذلك الكلام شخصياً، سيصدّقونه" لأن ترامب يتمتع بواحد من أكثر الأصوات التي يسهل التعرّف عليها في العالم. سيسمع الناس تلك المواقف ويقولون: "إنه هو! وهذا ما يقوله فعلاً، وسياق كلامه واضح". أظن أن الناس تقبلوا الحقائق في هذا الكتاب في نهاية المطاف، لأنهم سمعوا تسجيلات تلك المحادثات. نتيجةً لذلك، لم يسارع أحد لاعتبارها "أخباراً كاذبة".

بعض النصائح

• ذكرتَ حديثاً على التلفزيون الأميركي أن كاثرين غراهام، ربة عملك في صحيفة "واشنطن بوست"، حذرتك بعد الكشف عن فضيحة "ووترغيت" من أن تبالغ في الوثوق بقدراتك الصحافية. ما أهمية هذه القصة بالنسبة إليك؟

- في عام 1974، بعد استقالة نيكسون، كتبت غراهام رسالة لي ولكارل بيرنستاين فقالت: "أعزائي كارل وبوب، لقد كتبتما بعض القصص عن نيكسون وها قد رحل الآن. لا بأس بذلك، لكن لا تبدآ بالاعتداد بنفسَيكما. اسمحا لي بتقديم بعض النصائح لكما: حذار من شرور التباهي! كما تعرفون، تجتاح مظاهر التباهي جميع المؤسسات في الولايات المتحدة ولا تقتصر على وسائل الإعلام، بل تمتد إلى قطاع الأعمال والسياسة والأوساط الأكاديمية. وتكثر مظاهر التباهي والثقة المفرطة بالنفس فعلاً، لذا اعتبرتُ ذلك التحذير بالغ الأهمية.

إطلاق الأحكام

• فهمنا أن قلقك جعلك قاسياً جداً في حُكمك على دونالد ترامب. هل يمكن اعتبار هذا الموقف مبالغاً فيه بالنسبة إلى العاملين في مجال الصحافة؟ وبما أنك صحافي، ألن يكون نقل الوقائع أفضل من إطلاق استنتاج صارم في نهاية الكتاب مفاده أن "ترامب ليس الرجل المناسب لهذا المنصب"؟

- لا، لا أظن أنني بالغتُ في موقفي. فكرتُ بأنني تجاوزتُ حدودي قليلاً كصحافي. لكنني أشعر بأنني أتمتع بما يكفي من البصيرة لإطلاق الأحكام في هذا المجال.

ترامب دمّر البراءة المتبقية وثمة مستوى غير مسبوق من الفوضى التي تهدد مسار الانتخابات

أُدرك حقيقة الحروب وعواقبها المؤلمة ولا بد من الإشادة بترامب لأنه لم يعلن الحرب

نيكسون كان مجرماً تأكدنا من ذلك عبر تسجيلاته السرية لكن لم يثبت أحد أن ترامب مجرم

ربما كنا نعيش في فقاعة داخل بلدنا طوال مئات السنين

الناس لا يثقون بوسائل الإعلام الإخبارية ولكن حين يسمعون التسجيلات سيصدقون أنه ترامب