صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4563

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لا هي اتفاقيات سلام ولا تاريخية

  • 20-09-2020

الحدث السريع الذي جرى في جنوب فلسطين على حدود قطاع غزة، أثناء توقيع معاهدات التطبيع في واشنطن، أرسل رسالة قوية وذات مغزى، بأن الأمن والسلام في هذه المنطقة كان، وما زال، وسيبقى بيد الفلسطينيين. ورغم بهرجة المسرحية التي عُرضت أمام البيت الأبيض فإنها جاءت أيضاً لتؤكد المقولة الشهيرة، بأن التاريخ يكرر نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، وأخرى على شكل مهزلة. فكل معاهدات التطبيع السابقة واللاحقة، إن جاءت، سعى إليها تحالف نتنياهو وترامب وفريقه برئاسة كوشنير لتحقيق ثلاثة أهداف:

أولاً- الترويج لصفقة القرن، بكل ما تعنيه من تصفية للحقوق الوطنية الفلسطينية، وترسيخ لنظام الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي.

ثانياً- تهميش القضية الفلسطينية، وعزل الشعب الفلسطيني، والادعاء بأن التطبيع مع بعض الأنظمة العربية يعوض عن السلام الحقيقي الذي لن يتحقق إلا بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني.

وثالثاً- تقديم مسرحية لدعم ترامب المهدد بالسقوط في الانتخابات الأميركية القادمة، ونتنياهو المهدد بالمحاكمة في أربع قضايا فساد وجهت له الاتهامات بها. وقد استبق نتنياهو توقيع المعاهدات بتصريحات قال فيها، لا لدولة فلسطينية، وأن القدس التي ضمها ستبقى عاصمة موحدة لإسرائيل، وفلسطين هي دولة اليهود فقط، وعلى الفلسطينيين قبول العيش في معازل تحت السيادة الإسرائيلية، أي في إطار نظام أبارتهايد، ولا عودة للاجئ فلسطيني واحد، واستكمل ذلك بالتلويح بإمكانية ممارسة تطهير عرقي جديد ضد الفلسطينيين. أما الرئيس الأميركي فقد رفض عندما سُئل عن الدولة الفلسطينية، أن يجيب ورفض أن ينطق اسم "دولة" للفلسطينيين، وعندما سُئل عن الضم أشاح بوجهه، ولم ينطق بحرف، وكل ما استطرد في تكراره أنه قطع المساعدات عن الفلسطينيين وخصوصا عن وكالة الغوث الدولية التابعة للأمم المتحدة، ملوحا بمزيد من الضغوط على الفلسطينيين لإجبارهم على القبول بالاستسلام لصفقة القرن. لم يعد بإمكان أحد الادعاء بأن الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية قد توقف وهو جار على الأرض يومياً، وخصوصا أن معاهدات التطبيع وقعت بعد ضم القدس والجولان العربي المحتل، وبعد المباركة الأميركية لذلك الضم، ونقل السفارة الأميركية للقدس. لا علاقة إطلاقاً بين "مسرحية" البيت الأبيض وموضوع السلام، فالنتيجة الأولى لما جرى كانت تقوية معسكر اليمين الفاشي العنصري المتطرف في إسرائيل، والذي يمثله نفتالي بينت الذي يعتبر نتنياهو المتطرف معتدلاً. معسكر بينت حسب استطلاعات الرأي سيحصل على 22 مقعداً لو جرت انتخابات جديدة في إسرائيل بعد أن حصل على ستة مقاعد في الانتخابات الأخيرة هذا العام، وهو معسكر ديني متطرف يرفض مبدأ السلام مع الفلسطينيين ويرفض الدولة الفلسطينية، ويصر على ضم كل الضفة الغربية التي يسميها (يهودا والسامرة) ويرفض التنازل عن أي شبر فيها. ومن ناحية أخرى تصاعدت فور توقيع الاتفاقيات عمليات الاستيطان الاستعماري في الضفة الغربية، واستشرت الاعتداءات على القدس وكل الأراضي المحتلة. القضية الحقيقية التي ظهرت بالتوازي مع مسرحية التطبيع و"السلام"، كانت صفقات السلاح والتسلح الجديدة التي ستحقق من ورائها الولايات المتحدة والصناعات العسكرية الإسرائيلية أرباحا كبيرة، والتبشير بتصعيد الصراعات الدائرة في منطقة الخليج وغيرها، بين أطراف عربية، وداخل بلدان عربية، وكل ذلك لا يحقق سلاما ولا يخدم إلا طموح إسرائيل للهيمنة المطلقة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على المنطقة بأسرها، وأخذ العديد من الدول العربية رهينة لمنظومات التجسس والأمن الإسرائيلية.

وتبعت ذلك الاحتفال تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل فريدمان، حول فرض قيادات متواطئة على الفلسطينيين، وهي تصريحات وقحة وتمثل وسائل ضغط رخيصة وتافهة، وتؤكد أن هذا السفير لم يكن يوماً سوى موظف لدى نتنياهو وتياره العنصري المتطرف. ما تناساه فريدمان أن لا شرعية في فلسطين لأي شخص إلا الشرعية الوطنية والديمقراطية، ومن تهاون في حقوق الشعب الفلسطيني أو تواطأ مع أعدائه فلن يحظى يوماً بقيادته. وما تناساه منظمو مسرحية التطبيع في البيت الأبيض، أن اتفاقات سابقة عُقدت من قبل بين دول أكبر وأهم وبين إسرائيل، ولم تنتج تطبيعاً بين الشعوب العربية وإسرائيل، كما لم توقف نضال الشعب الفلسطيني، ولا استطاعت تجاوز الحقيقة الراسخة بأن جوهر الصراع ومفتاح السلام في الشرق الأوسط، كان وما زال قضية فلسطين. وإذا كان هناك أمر إيجابي في كل ما جرى فهو أنه خلق تحديا أدى إلى رص صفوف الفلسطينيين في وحدة غير مسبوقة منذ انهيار حكومة الوحدة الوطنية ونشوء الانقسام الداخلي البغيض عام 2007، وحدة كاملة في رفض "صفقة القرن" ومشاريع التطبيع، ووحدة تتطور تدريجياً في تفعيل المقاومة الشعبية الفلسطينية وحركة المقاطعة وفرض العقوبات على نظام الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، ويمكن أن تتطور لتبني استراتيجية وطنية كفاحية موحدة.

كل أبواق الإعلام المنحازة للرواية الإسرائيلية، وكل محاولات تبرير التطبيع الذي جرى لن تستطيع إخفاء الحقائق الأساسية: هناك احتلال إسرائيلي هو الأطول في التاريخ الحديث، وهناك نظام أبارتهايد إسرائيلي هو الأبشع في تاريخ البشرية، وهناك جنود ومتطرفون إسرائيليون يدنسون كل يوم المسجد الأقصى، والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وهناك شعب فلسطيني ضحى بالكثير، ولن يتنازل عن كرامته الوطنية أو ينكس رايات كفاحه.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية