صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4560

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لمحات من حياة رامبرانت

  • 08-09-2020

فنان هولندا الأشهر تعرض لصدمة عاطفية عندما غدرت به الآنسة ڤان كوبلر، التي كان يعشقها بجنون، فاسودّت حياته في كل تصرفاته، حتى انعكس ذلك في نظرته إلى كل النساء، وقد ترجم تلك المشاعر في بعض لوحاته... ولم يخفق قلبه بحب الحياة إلا يوم كُلّف برسم الآنسة ساسكيا، ابنة أحد قساوسة البروتستانت الأثرياء، وقد كان مبدعاً ورائعاً في رسم تلك اللوحة التي جعل صاحبتها تحاكي آلهة الجمال، التي وصفتها الميثولوجيا الإغريقية... وكانت فترة جلوسها لعدة أسابيع أمامه كفيلة بجعل كيوبيد يطلق سهامه لتخترق جروح الغدر... يوم قالت له:

- يقول عنك النقاد إنك تعشق النور.

= ولكن شمس حياتي لن يشرق نورها إلا بوجه كوجهك.

- ليتني أتمكن من إسعاد أعظم فنان في هولندا.

= وأنا سأسعدك بكل ما تتمناه الفتاة، إذ سأجعلك تحصلين على كل ما تتمنينه.

- لست أريد شيئاً يا رامبرانت.

= وماذا تريدين يا ضوء حياتي؟

- أريدك أنت... أريد عاطفتك... أريد حبك... أريد العالم كله متمثلاً فيك.

***

• ويشعر رامبرانت أن السماء قد خصته أخيراً بالسعادة التي كان يحلم بها، وقد دانت له الشهرة، والحب، والثراء، والهناء العائلي، بعد أن أنجبت له ساسكيا الولد الأول قبل أن يصل الثلاثين من عمره... ففي هذا الجو المفعم بالسعادة رسم رامبرانت لوحته المرحة لساسكيا وهي تداعب وليدها... فعرض عليه القصر الملكي مبلغاً كبيراً نظير بيع تلك اللوحة، لكنه قال: كيف أبيع حياتي؟

***

• ولعبت الأقدار لعبتها فقلبت له ظهر المجن حين مات طفله الوحيد، وأعقبه بفترة وجيزة رحيل والده، وتلاه رحيل والدته... بل إن ساسكيا أنجبت له طفلة سرعان ما لقيت ربها هي الأخرى، ومما جعل حياة رامبرانت جحيماً لا يطاق أن ساسكيا قد تناهشتها الأمراض التي انتهت بنهاية حياتها.

***

• وبينما كان يعيش في عالم الحزن، الذي خيم على حياته، طلبت منه كلية الطب في أمستردام أن يخلد احتفالها المئوي برسمٍ من ريشته... وقام الدكتور تولب عميد الكلية بزيارته:

- دكتور تولب لا أستطيع أن أرفض لك طلباً بعد كل ما تقدمه كليتكم من خدمات لشفاء الناس.

= هذا لطف منك أيها الفنان العظيم.

- لكنني أحتاج إلى أسبوع كي أفكر في الخط الرئيسي للوحة، فلا أريد أن أرسم لوحة تقليدية.

= هو لك.

- ولي عندك طلب يا دكتور.

= ما هو طلبك؟

- أن تحضروا لي جثة حقيقية!

= جثة؟... تقول جثة يا أستاذ رامبرانت؟

- نعم جثة... وأصوركم في وضعٍ يناسب عملكم، وليس في وضع جلوسكم البارد المعتاد.

= ما تطلبه شيء جديد يا أستاذ رامبرانت... ومثير أيضاً.

***

• ولما نظر رامبرانت إلى وجه الميت قال:

- ما أعجب تصاريف القدر!

- هل رأيته من قبل يا رامبرانت؟

- كان زميلي في الدراسة، وكان والده يريده أن يكون أستاذاً جامعياً... تماماً كما كان يريد لي والدي... فصار هو قاطع طريق، وهأنذا سأرسمه وأنتم تشرحون جثته لتخليد كليتكم.

• كانت لوحة التشريح واحدةً من أعظم ما رسم رامبرانت.