صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4537

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«أمن الدولة» حذَّر ميشال عون وحسان دياب عشية الكارثة من انفجار يدمر بيروت المنكوبة

تظهر وثائق اطلعت عليها "رويترز" أن مسؤولين أمنيين لبنانيين حذّروا رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ورئيس الجمهورية ميشال عون، الشهر الماضي، من أن وجود 2750 طنا من نترات الأمونيوم في مخزن بمرفأ بيروت يمثل خطراً أمنيا ربما يدمر العاصمة.

وبعد ما يزيد قليلا على أسبوعين من التحذير وقع الانفجار الهائل، الذي محا معظم المرفأ وقطاعات من العاصمة اللبنانية، وأسفر عن مقتل 163 شخصا، وإصابة ستة آلاف آخرين، ودمر حوالي 8 آلاف بناية.

رسالة

وتضمن تقرير من المديرية العامة لأمن الدولة عن الأحداث، التي أدت إلى الانفجار، إشارة إلى رسالة أُرسلت بالبريد الخاص إلى عون ودياب في 20 يوليو.

ورغم أن مضمون الرسالة لم يكن ضمن التقرير، الذي اطلعت عليه "رويترز"، فقد قال مسؤول أمني كبير، إنها تلخص ما توصل إليه تحقيق قضائي بدأ في يناير وخلص إلى ضرورة تأمين المواد الكيماوية على الفور.

ولم يسبق نشر شيء عن تقرير "أمن الدولة" الذي أكد مخاطبة الرئيس ورئيس الوزراء.

وقال المسؤول الأمني لـ "رويترز": "كان هناك خطر أن تُستخدم هذه المواد في هجوم إرهابي إذا سُرقت".

وفي إشارة إلى الرسالة التي رفعت إلى عون ودياب من المديرية العامة لأمن الدولة، والتي تشرف على أمن المرفأ، قال المسؤول: "في نهاية التحقيق أعد النائب العام (التمييزي غسان) عويدات تقريرا نهائيا تم إرساله إلى السلطات".

وقال المسؤول، الذي شارك في صياغة الرسالة وطلب عدم نشر اسمه: "حذرتهم من أن هذا قد يدمر بيروت إذا انفجر".

وقال ممثل عن دياب، إن رئيس الوزراء تسلّم الرسالة في 20 يوليو، وأُرسلت إلى مجلس الدفاع الأعلى؛ لإبداء المشورة خلال 48 ساعة.

وأضاف ان "مجلس الوزراء الحالي تلقى التقرير قبل الانفجار بـ 14 يوماً، وتحرك بشأنه في غضون أيام. الإدارات السابقة كان أمامها أكثر من ست سنوات ولم تفعل شيئا".

إجراء اللازم

وفي الأسبوع الماضي، أكد الرئيس عون أنه سبق إبلاغه عن المواد الكيماوية. وقال إنه وجه الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى، الذي يضم الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان ويرأسه رئيس الدولة بضرورة "إجراء اللازم".

وقال عون: "المواد صرلها من 2013، وعم يقولو خطرة، وأنا لست مسؤولا ولا أعرف وين محطوطة هذه المواد، ولا أعرف درجة الخطورة، وما الي (ليس لدي) صلاحية اتعاطى مباشرة مع المرفأ. فيه تراتبية لازم تعرف واجباتها وكلهم كانوا على اطلاع".

ولا تزال أسئلة كثيرة بلا أجوبة حول سبب رسو السفينة بشحنة الأمونيوم في بيروت في أواخر 2013. والمحير أكثر من ذلك هو سبب السماح بتخزين كمية كبيرة من المادة الخطيرة في المرفأ كل هذا الوقت.

وجاءت الرسالة التي أُرسلت إلى الرئيس ورئيس الوزراء في أعقاب سلسلة من المذكرات والرسائل التي بعث بها مسؤولو المرفأ والجمارك والأمن إلى المحاكم على مدار السنوات الست السابقة، وحثوا فيها مرارا القضاة على إصدار أمر بنقل نترات الأمونيوم من مكانها القريب جدا من وسط المدينة.

وقال تقرير المديرية العامة لأمن الدولة، الذي اطلعت عليه "رويترز" إنه تم تقديم العديد من الطلبات، وذلك دون ذكر عددها على وجه التحديد، لافتا إلى أن إدارة المانيفست بالمرفأ أرسلت عدة طلبات كتابية إلى مديرية الجمارك حتى عام 2016 تطلب فيها مطالبة قاض بإصدار الأمر بإعادة تصدير الكمية على الفور.

وذكر التقرير: "لكن وحتى تاريخه، لم يصدر قرار بهذا الشأن. بعد مراجعة أحد المختصين في الكيمياء أكد أن هذه المواد في حال اشتعالها ستسبب انفجارا ضخما، وستكون نتائجه شبه مدمرة لمرفأ بيروت".


مادة خطيرة

بدأ الطريق المؤدي إلى مأساة الأسبوع الماضي قبل سبع سنوات عندما رست السفينة روسوس، المستأجرة لحساب روسي وترفع علم مولدوفا وتحمل شحنة من نترات الأمونيوم من جورجيا إلى موزمبيق، في مرفأ بيروت لمحاولة نقل بضائع إضافية لتدبير رسوم المرور عبر قناة السويس وفقا لما قاله ربانها.

وأوضح تقرير "أمن الدولة" أن سلطات المرفأ احتجزت السفينة روسوس في ديسمبر 2013 بالأمر القضائي 1031/2013، بسبب ديون عليها لحساب شركتين قدمتا طلبا للقضاء في بيروت لحجزها.

وفي مايو 2014، اعتبرت السلطات السفينة غير صالحة للإبحار، وتم تفريغ شحنتها في أكتوبر 2014 وتخزينها فيما عرف بالعنبر 12. وأظهر التقرير الأمني أن السفينة غرقت بالقرب من كاسر الأمواج بالمرفأ في 18 فبراير 2018.

وفي فبراير 2015، عين قاضي الأمور المستعجلة نديم زوين خبيرا لتفقد الشحنة، وفقا لما ورد في التقرير الأمني.

وذكر التقرير أن الخبير خلص إلى أن المواد المخزنة خطيرة، وطلب عبر سلطات المرفأ نقلها إلى الجيش، مضيفا أن قيادة الجيش اللبناني رفضت الطلب، وأوصت بنقل المواد الكيماوية أو بيعها للشركة اللبنانية للمتفجرات وهي شركة خاصة.

ولم يذكر التقرير سبب رفض الجيش قبول الشحنة. وقال مسؤول أمني لـ "رويترز" إن ذلك يرجع إلى عدم احتياجه لها. وامتنع الجيش عن التعليق.

وقالت إدارة الشركة اللبنانية للمتفجرات لـ "رويترز" إنها لم تكن مهتمة بشراء المواد المصادرة، وإن الشركة لديها إمداداتها الخاصة وتراخيص الاستيراد الحكومية الخاصة بها.

وتبين الطلبات، التي اطلعت عليها "رويترز" أن مسؤولي الجمارك والأمن استمروا بعد ذلك في مراسلة القضاة كل ستة أشهر تقريبا لطلب نقل المواد الكيماوية.

وامتنع القضاة ومسؤولو الجمارك عن التعقيب عندما اتصلت بهم "رويترز". وتم احتجاز عدد من مسؤولي الجمارك والمرفأ في إطار التحقيق في الانفجار.

سوء تخزين وسوء تقدير

في يناير 2020، أمر قاض بإجراء تحقيق رسمي بعد اكتشاف أن العنبر 12 لا يخضع للحراسة، وبه فجوة في حائطه الجنوبي، كما أن أحد أبوابه كان مخلوعا، الأمر الذي كان يعني أن المواد الخطيرة عرضة للسرقة.

وقال مسؤول أمني رفيع ثان، طلب عدم نشر اسمه، إن النائب العام التمييزي عويدات أصدر في التقرير النهائي في أعقاب التحقيق أوامر فورية لتأمين أبواب العنبر، ومعالجة الفتحة، وتوفير الأمن.

وفي الرابع من يونيو، وبناء على تلك الأوامر، أصدر أمن الدولة تعليمات لسلطات المرفأ لتوفير حراسة للعنبر 12، وتعيين مدير له وتأمين جميع الأبواب وسد الفتحة في الحائط الجنوبي، وذلك وفقا لما ورد في تقرير أمن الدولة، وما قاله المسؤولون الأمنيون.

وقال المسؤول الأمني: "الصيانة بدأت وأرسلت (سلطات المرفأ) فريقا من العمال السوريين (لكن) لم يكن هناك من يشرف عليهم عندما دخلوا لإصلاح الفجوات".

وأضاف المسؤول أن شرراً تطاير من أعمال اللحام خلال الإصلاح، وأشعل حريقا، وبدأت النيران في الانتشار.

وقال المسؤول الأمني الرفيع الثاني: "نظرا لتخزين مفرقعات في العنبر نفسه بعد ساعة بدأ حريق كبير بفعل المفرقعات، وامتد ذلك إلى المادة التي انفجرت عندما تجاوزت درجة الحرارة 210 درجات".

وحمّل المسؤول سلطات الميناء مسؤولية عدم الإشراف على فريق الإصلاح وتخزين المفرقعات بجانب كمية كبيرة من المواد شديدة الانفجار.

وأشار إلى أن "أثر الانفجار كان مخففا فقط، لأن العنبر يواجه البحر. ولولا ذلك لدمرت بيروت كلها. المسألة كلها إهمال وعدم إحساس بالمسؤولية وسوء تخزين وسوء تقدير".