صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4471

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الفلسطينيون... ضحايا ضعفاء

  • 24-06-2020

لا بد أن تبدأ أي مناقشة للصراع العربي الإسرائيلي بالاعتراف بحقيقة أن الفلسطينيين أصبحوا ضحايا لآلية استمرت قرناً وآلت بهم إلى ما هم عليه اليوم، وأنا أقول هذا لأن كثيرين للغاية من قادة الرأي في واشنطن، من اليمين واليسار على السواء، يلومون الفلسطينيين عما آل إليه مصيرهم، ومثل هذا الانتقاد غير مستساغ ومناقض للتاريخ، لأن تحميل الفلسطينيين الوزر غير مسوَّغ تماماً مثل تحميلنا الأميركيين الأفارقة وزر الفقر ووحشية الشرطة، ومن محض الخطأ أن نُلقي باللائمة على الضحايا فيما وقع عليهم من ظلم أو نحمّلهم وحدَهم مسؤولية تصحيح أخطاء التاريخ.

فقد أشرتُ من قبل إلى خيانات الغرب الكثيرة، مثل وعد بلفور، ومعاهدة سايكس-بيكو، والانتداب البريطاني، والنكبة، والاحتلال والغزو الإسرائيلي الممنهج، والاستيطان في الضفة الغربية، والافتقار إلى التنمية، والخنق والتشوية السياسي لغزة، وكل هذه الأمور إما قامت بها القوى الغربية أو إسرائيل بدعم مضمر من الدول الغربية نفسها، ومنذ ظهور دولة إسرائيل عام 1948، أدت الولايات المتحدة دوراً رئيساً في قمع الشعب الفلسطيني، ومرت عقود والسياسة الأميركية تدلل إسرائيل في حين تلقي باللائمة في المحنة على الفلسطينيين أنفسهم، وبهذا تجاهلت تفاوتين أساسيين في الصراع.

أولاً تفاوت القوة: فإسرائيل لها سيطرة شبه كاملة على كل جوانب الحياة الفلسطينية، في حين الفلسطينيون بلا سلطة إلى حد كبير، فهم محرمون من حرية الحركة، ومن السيطرة على ممتلكاتهم وأراضيهم ومياههم، ومن القدرة على الانخراط بحرية في النشاط التجاري، ومن حقوق الإنسان الأساسية، ونتيجة التفسير الذي فرضته إسرائيل من جانب واحد لاتفاقات أوسلو، أصبحت السلطة الفلسطينية كياناً تابعاً يحتاج إلى المساعدة الدولية، وهذا لأن قدرتها على تنمية اقتصادها يعرقلها الإسرائيليون عمداً، وقد أُجبر الفلسطينيون في معيشتهم على الاعتماد على الوظائف الحكومية أو الوظائف القليلة الأجور في إسرائيل أو في المستوطنات.

والتفاوت الثاني: الحب الأميركي لإسرائيل والضغط الغربي على الفلسطينيين، فإسرائيل هي المتلقي الرئيس للسخاء الأميركي في صورة مساعدات هائلة ودعم سياسي بلا تحفظ، لكن المساعدات الإنسانية التي يتلقاها الفلسطينيون دائماً مشروطة. وتضغط الولايات المتحدة دوماً على الفلسطينيين كي يعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية وكي يقدموا تنازلات لتعزيز شعور إسرائيل بالأمن، والملاحظ أن إسرائيل تقلب الحقائق وتصور نفسها كضحية عليها دوماً تقديم تنازلات مؤلمة في حين تصور الفلسطينيين باعتبارهم تهديداً عضالا يأخذ ولا يعطي.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، تبنى مسؤول من إدارة ترامب ومستشار من حملة المرشح الرئاسي «الديمقراطي»، جو بايدن، «لعبة لوم الفلسطينيين» هذه، وانتقد مسؤول إدارة ترامب الفلسطينيين لعدم دخولهم في مفاوضات بناء على «صفقة القرن». وأشار المستشار «الديمقراطي» إلى ما وصفه بـ«اتجاه الرفض» الفلسطيني، مضيفاً مغالطة مفادها أنهم «لم يفوتوا فرصة لتفويت فرصة»، مشيراً بالتحديد إلى رفضهم «صفقات» سابقة قدمها رئيسا الوزراء الإسرائيليين إيهود باراك وإيهود أولمرت، لكن أيا من هذين الانتقادين لا يصمد أمام الفحص، ففي حين كان السفير الأميركي فريدمان، وهو مستثمر في المستوطنات الإسرائيلية، يعمل مع المسؤولين الإسرائيليين لرسم خريطة تحدد الأراضي التي تستطيع إسرائيل ضمها، تعرّض الفلسطينيون للنقد لرفضهم دخول هذه المفاوضات، وهذا يشبه الطلب من مريض على وشك الخضوع لجراحة لإجراء بتر غير مطلوب بأن يمسك المبضع للجراح.

وهذا ينطبق على خرافة يعتنقها بعض «الديمقراطيين» تلوم الفلسطينيين على رفضهم قبول «العروض الرائعة» السابقة من إسرائيل، رغم أن اللوم لا يدرك فحوى هذه العروض بالفعل، ففي كامب ديفيد، ما أَطلق عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذاك الوقت إيهود باراك، «أفضل صفقة على الإطلاق» لم يكن كذلك، فقد أصر، هو أيضاً، على الاحتفاظ بغور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك مستوطنات «القدس الشرقية»، ورغم هذا، وبعد كامب ديفيد، واصل الفلسطينيون والإسرائيليون المفاوضات حتى ألغاها إيهود باراك كي يستعد للانتخابات التي خسرها، وبالمثل لم يستحق «عرض» رئيس الوزراء أولمرت الالتفات إليه لأنه قدمه في أيامه الأخيرة في المنصب في حين كان يواجه احتمال عقوبة السجن، ولذا لم يكن بوسعه تنفيذ أي شيء يعد به.

الاستمرار في ترديد أن «الفلسطينيين لم يفوتوا قط فرصة لتفويت فرصة»، يعد إهانة للفلسطينيين وللتاريخ، ولا يليق بأي مسؤول أميركي في دور قيادي أن يقدم مثل هذا الزعم الصارخ البطلان، فالأصل هو أن الموقف الأميركي يرى أن على الفلسطينيين التفاوض مع الإسرائيليين دون شروط مسبقة، وهذا بالغ السذاجة وعديم الحصافة، فهناك بالفعل شروط مسبقة على التفاوض، فالواقع أن إسرائيل تلتهم الضفة الغربية وتصنع «وقائع غير قابلة للتغيير» منذ عقود، ولم تسلم قط بحقوق الملكية الفلسطينية ولا حقوق الإنسان الفلسطيني ولا حقه كشعب في تقرير مصيره.

والطلب من الفلسطينيين قبول أي شيء يقدمه إليهم الإسرائيليون، مثل طلبنا من أحد الأطراف اللعب دون أوراق أمام طرف آخر في يده كل الأوراق، وهذا هو سبب الوضع الكارثي الذي نجد أنفسنا فيه الآن، ولا يمكن حسم هذا الصراع إلا إذا حملنا الإسرائيليين مسؤولية سلوكهم وضبط المعادلة من خلال دعم الفلسطينيين، وهذا يعني الضغط على إسرائيل ودعم الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم، ولأن الولايات المتحدة غير قادرة على تأدية هذا الدور فإن على أوروبا والدول العربية الاضطلاع بهذا الدور. وتستطيع أوروبا استخدام تهديدها بفرض عقوبات إذا استمرت إسرائيل في تصرفاتها غير المشروعة، ويستطيع العرب إبراز قيمة مبادرة السلام العربية بالتوضيح للجمهور الإسرائيلي الفوائد التي قد يجنونها إذا غيرت حكوماتهم سياستها واعترفت بالحقوق الإنسانية والسياسية للشعب الفلسطيني.