صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4466

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بوريس جونسون يخطط لتقليص اعتماد بريطانيا على الصين

في الوقت الراهن هناك توجه نحو تقليص الحكومة البريطانية اعتمادها على الصين حتى لو كان ذلك يعني دفع مزيد من الأموال، والأساس في هذه السياسة الجديدة هو إظهار استعدادها لتكبد أعباء تقليص الاعتماد على بكين.

كيف يمكن أن يتغير العالم بعد زوال جائحة كورونا؟ هل يعود كل شيء إلى ما كان عليه أم أننا سنشهد تغيراً دائماً؟ وبالنسبة الى بريطانيا يوجد شيء واحد سيكون مختلفاً بشكل واضح، وهو يتعلق بأسلوب تعامل الحكومة مع الصين، وأنا أفهم أنه في حين تم تأجيل استعراض السياسة الخارجية المتكاملة التي طرحها رئيس الوزراء بوريس جونسون بسبب انتشار وباء كورونا فإن العمل على العلاقات الصينية– البريطانية استمر في التقدم بدافع الضرورة، وقد أخبرني أحد المشاركين في هذه السياسة الجديدة أن الغاية من ذلك هي "إخراج هذه الدولة من مسار الاعتماد المتزايد على الصين".

والمسألة ليست في أن الوباء صدر عن ووهان الصينية بل في ما تسبب به من أزمة بالنسبة الى الصين واعتماد المملكة المتحدة عليها، وقد استعرض أعضاء الحكومة البريطانية مدى اعتماد البلاد على السلع الحيوية من الصين– وخصوصا معدات الحماية الشخصية– والأكثر أهمية هي أن العلاقة مع بكين ليست ذات طبيعة تجارية عادية، وهم يعلمون أن صدور انتقادات حادة من جانب المملكة المتحدة لبكين فإن تلك الشحنات ستتوقف.

والجانب الأكثر الحاحاً وفي أذهان الوزراء البريطانيين هو المثل الذي تجسده أستراليا التي دعت الى اجراء تحقيق مستقل في أصل الفيروس المهلك، وقد تملك الغضب بكين وردت على ذلك بفرض تعرفات على شحناتها الغذائية ورفض الاستيراد من أربعة مراكز أسترالية، كما ترددت أحاديث عن مقاطعة المنتجات الأسترالية، وتجدر الإشارة الى أن ثلث حجم تجارة أستراليا هو مع الصين وهي تجد نفسها اليوم عرضة لمواقف من جانب دولة شيوعية تريد استخدام الروابط الاقتصادية لمعاقبة الدول التي تختلف مع سياستها وهي حالة تسعى بريطانيا الى تفاديها.

تغير التفكير البريطاني

ويمثل هذا التغير في التفكير البريطاني رفضاً لخط ديفيد كاميرون- جورج أوزبورن حول ما يعرف بـ"العصر الذهبي الجديد" في العلاقات مع الصين، وكانت استراتيجية أوزبورن تعتمد على التوجه الى بكين مع مجموعة كبيرة من رجال الأعمال البريطانيين من أجل الحصول على استثمارات صينية، وكان الأمل يومذاك هو أن يسهم كونه صديق الصين في الغرب في توفير مزايا اقتصادية لبريطانيا، لكن تيريزا ماي ابتعدت عن هذه السياسة على الرغم من استمرار المسار السياسي الودي مع الصين.

في غضون ذلك، وافق بوريس جونسون على مشاركة شركة هواوي الصينية في بناء شبكة الاتصالات (5 جي) في المملكة المتحدة، وكانت الأجهزة الأمنية على ثقة في قدرة بريطانيا على معالجة هذه العلاقة بما يخدم مصلحة البلاد.

ومن الآن فصاعداً ستصبح الأشياء مختلفة عن الماضي، ويوجد في الوقت الراهن توجه نحو تقليص الحكومة اعتمادها على الصين، حيثما أمكن ذلك حتى إذا كان ذلك يعني دفع مزيد من الأموال، وقال لي أحد مصادر الحكومة البريطانية إن الأساس في هذه السياسة الجديدة هو إظهار "استعدادنا لتكبد أعباء تقليص اعتمادنا على بكين"، وقد أشار استطلاع للرأي أجراه معهد مرموق يحظى بتقدير من الحكومة البريطانية أن ثمة مشاعر معاكسة للصين في بريطانيا ولأول مرة اضافة الى ظهور اجماع سياسي على أن المملكة المتحدة لا يمكنها أن تظل حيادية إزاء صعود الصين كما كانت الحال في الماضي.

أشكال تقليص الاعتماد

وسيأخذ تقليص الاعتماد على الصين ثلاثة أشكال خلال المرحلة الأولى، وتتمثل بجلاء في عدم حاجة المملكة المتحدة الى التعويل على بكين من أجل استيراد أي سلع أساسية سواء كانت طبية أو غير ذلك، وتشمل المرحلة الثانية تشديد القوانين المتعلقة بالاستيلاء على الشركات المحلية من قبل جهات أجنبية، وهي خطوة تستهدف الصين في المقام الأول لا سيما أن كل الشركات الصينية تعتبر خاضعة للدولة.

وتجدر الاشارة اليوم الى أن تفكير جونسون إزاء الصين قد تغير بشكل واضح، وبرز ذلك من خلال سفره الى بكين من أجل حمل شعلة الأولمبياد الى لندن، ثم استخدم علاقاته الأولمبية بعد ذلك لاجتذاب استثمارات الى العاصمة البريطانية، وكرئيس للوزراء لم يتشاطر مخاوف حزبه حول شركة هواوي ولكن أحد الأشخاص الذين ناقشوا تلك القضية معه في الآونة الأخيرة قال إن جونسون "تقدم كثيراً في الاعراب عن مواقفه الخاصة حول الصين".

تغير طموحات الصين


ومن المسلم به في الوقت الراهن أن الصين في عهد شي جين بينغ تختلف تماماً عنها في عام 2008 وقد اختارت الابتعاد عن مسار الانفتاح على العالم وهي تسعى اليوم الى الهيمنة الاقليمية أولاً ثم الى الهيمنة العالمية، وينطوي هذا التوجه على أهمية خاصة مع تقدم المملكة المتحدة الوشيك نحو شفا كارثة في اعتمادها على الصين، واذا ساعدت شركة هواوي في بناء شبكة هواتف 5 جي الجوالة فسنتلقى من دون شك تحديثاً ضرورياً أكثر رخصاً، ولكن ذلك سيتحقق بثمن يفرض جعل المملكة المتحدة معرضة بقدر أكبر للتدخل الصيني، كما أن استخدام هواوي يقوض أيضاً الجهود الرامية الى اقناع الدول الأخرى باعتماد تلك النظرة عندما يتعلق الأمر بعرض الصين للمساعدة الفنية.

ويصف مقر الحكومة البريطانية– 10 داوننغ ستريت– قراره السابق حول شركة هواوي بأنه "قضية إرث" ولو أن رئيس الوزراء حاول التقدم في اتفاق 5 جي مع هواوي فسيفقد التصويت في البرلمان، وهو الشعور السائد في أوساط الحزب. وفي غضون ذلك تبين بجلاء الآن أن القلق المتعلق بشركة هواوي يمتد الى ما هو أبعد من أعضاء البرلمان من حزب المحافظين، وقد تشددت المؤسسة الأمنية الأميركية في موقفها من الصين بصورة لافتة في العام الماضي، ويوجد الآن اجماع في الحزبين على أن صعود بكين يجب أن يتحجم، وإضافة الى ذلك يحذر أحد المقربين من بوريس جونسون من تردي العلاقات مع الولايات المتحدة ويشير الى تهديد الصين لكندا وأستراليا، وهو يحث على تغيير السياسة البريطانية ازاء بكين.

نهاية الخطة الأصلية

وقال لي أحد حلفاء جونسون السياسيين إن "الخطة الأصلية انتهت الى غير رجعة"، وإن الأمر يتمحور فقط حول كيفية تحديد التحول، وكان القرار الأصلي المتعلق بالعمل مع هواوي يرجع الى عدم وجود عرض من شركة في دولة ديمقراطية يمكنها القيام بالعمل بصورة تضاهي سرعة أو رخص عمل هواوي، وأنا أعلم الآن أن الحكومة البريطانية تود قيام دول ديمقراطية بالتعاون في ميادين التحديات الفنية الكبرى.

وتتصور المملكة المتحدة قيام تحالف جديد يتكون من 10 داوننغ ستريت وديمقراطيات السبع الكبرى إضافة الى أستراليا وكوريا الجنوبية والهند، ويقول أحد المقربين من جونسون إن تلك المجموعة تشكل بديلاً مقبولاً للدول النامية في اعتمادها على المعرفة التقنية الصينية، وخصوصا مع قيام بكين في الوقت الراهن بتوسيع نفوذها في إفريقيا عن طريق عرض المساعدة في بناء بنية تحتية للاتصالات تكون رخيصة وعصرية ويحتاج اليها العالم الديمقراطي على شكل وسيلة بديلة.

ولكن بريطانيا لا تريد مجاراة الولايات المتحدة في مواقفها من الصين، وهي تسعى الى تحقيق توازن في العلاقات مع بكين وليس الى قطعها وخلق عداوة معها، ويتمحور أمل لندن حول قيام "علاقات مستدامة" ولذلك فإن بريطانيا ستقبل الاستثمارات الصينية في المناطق التي تستطيع الشركات البريطانية الاستثمار فيها، ولكن قد يكون من السذاجة والعبث الأمل بأن تتحقق تلك الغاية، وهل تسمح الصين لشركة بريطانية ببناء جزء حساس مهم وضخم من بنيتها التحتية؟ أو أن تعرض على المملكة المتحدة كمية النفوذ التي تتمتع بها الصين في الجامعات االبريطانية؟

نفوذ الحزب الشيوعي

أنا أفهم أنه ليس من مصلحة الحكومة وضع سقف لعدد الطلاب الصينيين في الجامعات البريطانية، ولكنها تريد تقييد نفوذ الحزب الشيوعي الصيني، وفي رأي أحد المسؤولين في 10 داوننغ ستريت "لا بأس في وجود مزيد من الطلبة الصينيين ولكن لن يسمح للجامعات بنشر النفوذ الصيني".

وتجدر الإشارة الى أن المملكة المتحدة لم تدخل قط في حرب باردة مع الصين، وقد اعترفت بالنظام الشيوعي في بكين قبل 29 عاماً من اعتراف الولايات المتحدة به، وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي زار رئيس الأركان البريطاني بكين، حيث أعلن أن البلدين يواجهان عدواً مشتركاً يتمثل في موسكو، ولكن يتعين على بريطانيا اليوم الحذر من ازدياد صعود الصين بشكل يهدد النظام العالمي الليبرالي، كما يتعين على الأكاديميين ورجال الأعمال استيعاب هذه الحقيقة.

وفي واقع الحال فإن التهديد الذي يشكله النظام الشيوعي الصيني للنظام العالمي سيصبح أكثر وضوحاً في الفترة القادمة من الوقت الراهن وحتى فصل الخريف المقبل، كما أن بكين تخطط لفرض قوانين أمنية جديدة في هونغ كونغ، وهي تستغل انشغال العالم بتداعيات وباء كورونا وربما تشمل خطة بكين بحر الصين الجنوبي ومناطق اخرى في آسيا أيضاً.

* جيمس فورسيث

ليس من مصلحة الحكومة وضع سقف لعدد الطلاب الصينيين في الجامعات البريطانية لكنها تريد تقييد نفوذ الحزب الشيوعي الصيني