صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4326

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الوزير العتيقي... والمصرفية الإسلامية

  • 09-01-2020

يواصل د. عبدالله المدني حديثه الممتع عن الفنان التمثيلي الإذاعي ذي المواهب العديدة السعودي عبدالعزيز عبدالرحمن الهزاع العتيبي (بوسامي) الذي سدّ في مجال التمثيل فراغاً كبيراً، وأدخل السرور والمرح على جمهور واسع في زمن ما قبل التلفاز، ولم يكن أحد يصدق وهو يستمع إلى تمثيلياته التي كان يؤلفها ويخرجها ويمثلها بما في ذلك المؤثرات الصوتية التي تكاد تكون صورة من المؤثرات الحقيقية، فكان بذلك أعجوبة درامية سمعية!

ولو كان من "منتجي ومنفذي" هذا الزمن المادي، لخرج بمبالغ كبيرة من كل تلك الأعمال، ولكنه في لقاء صحافي مع صحيفة "الحياة" قبل بضعة أعوام، أعرب الرجل عن ألمه ومرارته قائلاً: "إنني لم أجد التقدير الذي يوازي مسيرتي الفنية الطويلة والحافلة بالتمثيليات الاجتماعية".

(ص 575- الحياة 23/ 1/ 2016)

كان "بوسامي" عبدالعزيز الهزاع العتيبي رغم ذلك موضع إعجاب حتى بعض كبار رجال الدين في المملكة العربية السعودية، بمن في ذلك مفتي المملكة الأسبق الشيخ عبدالعزيز بن باز الذي أطلق عليه لقب "جماعة في رجل"، كما كانت موهبته الفنية، يقول د. المدني، "محل مباركة من الشيخين عبدالله المنيع وعبدالله المطلق". ويضيف إن الملك سعود بن عبدالعزيز كان من المعجبين به والمشجعين له، "منذ أن مثل أمامه تمثيلية "بدوي في الطيارة" خلال زيارة جلالته للمنطقة الشرقية في الخمسينيات، ومنحه مكافأة كبيرة بأسعار ذلك الزمان قدرها ألف ريال من الفضة، وطلب أن تسجل التمثيلية على شريط ليأخذه معه إلى قصره، ويفاجئ به عائلته وضيوفه، ويبدو أن عائلة جلالته لم تصدق أن تلك التمثيلية بكل شخصياتها وأصواتها المتنوعة من أداء رجل واحد، فطلب الملك أن يؤتى بالهزاع إلى قصره بالدمام كي يؤدي التمثيلية أمام الجميع". (ص579).

وحتى عندما استمع ملك العراق "فيصل الثاني" وخاله ولي العهد "الأمير عبدالإله" إلى فقرة من التمثيلية، يقول الباحث، علما أن التمثيلية من أداء فرد واحد، "لم يصدقا وطلبا شريطاً مسجلاً لها لأخذه إلى العراق، ولما سمع أفراد الأسرة العراقية المالكة وضيوفها الشريط في بغداد لم يصدقوا أيضا أن التمثيلية من أداء شخص واحد، ولكي يثبت لهم ذلك، طلب الملك فيصل الثاني من أخيه الملك سعود أن يأذن للهزاع بالقدوم إلى بغداد ليؤدي تمثيلية "بدوي في الطيارة" أمام الأسرة المالكة في قصري "الرحاب" و"الزهور"، بل أرسل جلالته طائرة خاصة إلى الرياض لنقل الهزاع". (ص579).

ويتضمن الكتاب رواية "الهزاع" عن استقباله في بغداد، إذ يقول: "شعرت بقيمة فني وموهبتي عندما حطت الطائرة في بغداد، ووجدت سيارة السفارة السعودية في انتظاري مع مندوب من قبل وزارة الإعلام العراقية، حيث قابلني بابتسامة وسألني عن فرقتي فأجبته في بطني"، وعما حدث حينما ذهب إلى القصر الملكي ورأى الأمير عبدالإله في انتظاره قال: "دخلت إلى بهو القصر ففوجئت بالعائلة المالكة كلها تنتظر، فارتبكت إذ لم يكن مألوفا أن أجلس بحضور نساء كاشفات دون غطاء للوجه، وكل واحدة منهن تحمل بيدها مسجلاً. جلست مشوشاً، قبل أن أبدأ كنت أحاول أن أتحكم في قلقي، وانطلقت وقضيت أياماً رائعة في بغداد، حيث سكنت في فندق الرشيد شهرين كاملين أزور العائلة المالكة وأقدم التمثيليات حتى هزني الشوق إلى بلادي، فطلبت من السفير السعودي أن يستأذن لي من الملك فيصل بالعودة، فوافق على أن أقدم ما لدي مسجلا لصالح الإذاعة العراقية". (ص580) وكان هذا في صيف عام 1958.

غير أن أيام الفرح والسرور لا تدوم للأسف في العراق! يقول الهزاع: "بعد رجوعي إلى بلادي بأسبوع حدثت الثورة العراقية، وقتل الملك فيصل وخاله الأمير عبدالإله ضمن من أزهقت أرواحهم من أفراد العائلة المالكة، وحين ذهبت للسلام على الملك سعود بعد عودته من خارج الرياض، قال لي ممازحا: يبدو أنك نذير شؤم على العراق؟ فأجبت على الفور، ما رأي جلالتكم أن ترسلوني إلى إسرائيل؟ لعل الشؤم الذي أنقله يصيبهم، فضحك جلالة الملك، وكذلك الحاضرون في مجلسه".

عمل "الهزاع" في أماكن ومهن مختلفة قبل التمثيل، ويقول د. المدني إن الفنان "انتقل من العمل كصبي عند التاجر الكغيل إلى عامل في مزرعته، قبل أن يترك العمل في تلك المزرعة ويتجه لمزاولة عدد من المهن في أماكن متفرقة. فقد عمل طباخاً وخادماً عند إحدى الأسر القصيمية، وعسكرياً في الجيش الكويتي، وجنديا في الحرس الملكي زمن الملك عبدالعزيز، وحمالا عند أحد تجار الجبيل، وفراشا في سكن عمل شركة أرامكو برأس تنورة. ومما لا شك فيه أن تنقلاته هذه واختلاطه بأناس من مختلف الطبقات وينتمون إلى مختلف المناطق السعودية أدت دورا في إجادته سائر اللجهات المحلية المتداولة والنجاح في تقليدها". كان الفنان "الهزاع" مقيماً في الكويت لبعض الوقت، وقد وصف "الهزاع" إقامته في الكويت بالمريحة، ويقول "المعروف أن الهزاع تعاون مع وزارة الإعلام الكويتية خلال سنوات إقامته في الكويت وعمله بالجيش الكويتي، وأنجز عددا من البرامج لإذاعة الكويت مثل: "البدوي الدكتور"، "أبو كرشة في الورشة"، "جولة الميكرفون"، "اللصوص وصاحب الدماء"، كما قدم على خشبة مسرح الأندلس في العاصمة الكويتية بعض تمثيلياته الفكاهية الجميلة، لكن الأجمل كان تفاعل الجمهور معها وتمسكهم ببقاء الهزاع واعتراضهم على إسدال الستارة". ويختتم "د. المدني" ترجمته للفنان فيقول: "من المفارقات الطريفة في مسيرة الهزاع تلك التي أتى على ذكرها عبدالرحمن الناصر في صحيفة الرياض (7/ 11/ 2008) ومفادها أنه كان يؤدي مشهدا تمثيليا بصوت امرأة لزملائه المدرسين حينما كان يعمل مدرسا لمادة التوحيد، فإذا برجال الحسبة يقتحمون غرفة المدرسين اعتقادا منهم باختلاء المدرسين مع امرأة في خلوة غير شرعية". (ص 584).

بحث د. المدني حياة العديد من الأسر والشخصيات الكويتية كما أشرنا، ومن هؤلاء الوزير "عبدالرحمن سالم العتيقي"، ويقول الباحث عن أسرة الرجل المعروفة "إن العتيقي أسرة قرشية تعود أصولها إلى أحد أحفاد الخليفة أبي بكر الصديق المعروف باسم "العتيق"، وهو حفيد كان يقيم بالمدينة المنورة، بينما ينفي بعض أفراد العائلة ذلك ويقولون إنهم من قبيلة حرب الحجازية المعروفة".

اهتم عبدالرحمن مبكراً بتعلم اللغة الإنكليزية على يد الأستاذ "هاشم بدر القناعي" إلى جانب الضرب على الآلة الطابعة، وقد سهل له ذلك الالتحاق فيما بعد بشركة نفط الكويت عام 1949، ثم دائرة الشرطة كمترجم ثم كمدير عام للدائرة، لينتقل بعدها إلى رئاسة دائرة الصحة، ليعين بعد الاستقلال في منصب دبلوماسي في الأمم المتحدة وسفير للكويت في الولايات المتحدة، ليتولى بعدها مناصب حكومية رفيعة عديدة داخل البلاد في مجال التجارة والمالية والنفط خاصة.

قام السيد عبدالرحمن العتيقي كوزير للمالية بتطوير الاستفادة من أموال النفط ووضع المستحصل في حساب خاص باسم "حساب الأجيال القادمة". ويقول د. المدني "هكذا كان لدى الكويت، حينما ترك العتيقي وزارة المالية، صندوق احتياط للأجيال القادمة به أكثر من مئة مليار دينار كويتي، ضاع معظمه بسبب الحرب العراقية- الإيرانية ثم بسبب الغزو العراقي، ولم ينف العتيقي حدوث "تصرفات غير لائقة"، أفضت إلى ضياع مبالغ طائلة من أموال الصندوق". (ص 531)

كان الوزير العتيقي في فكره السياسي، "من المؤمنين بأن العمل بصمت أجدى وأنفع من الصراخ، فالواقعية هي المدرسة التي ينتمي إليها ويعمل بوحيها"، ويضيف الأستاذ "حمزة عليان" في كتابه "وجوه من الكويت- ج2"، أن العتيقي "لم يكن فقط صاحب عقلية اقتصادية قادت معارك نفطية، بل هو صاحب تجربة وخبرة سياسية، اتجه إلى العمل الاجتماعي والإنساني، بل كان- هذا العمل- ركناً من شخصية استهلها عام 1952 من خلال عضويته بجمعية الإرشاد الإسلامي". (ص322).

يقول د. عبدالله المدني عن ظروف تأسيس "بيت التمويل الكويتي": "من ضمن أعمال العتيقي الأخرى عمل يشيد به البعض فيما البعض الآخر ينتقده، وهو دعمه ووقوفه خلف مشروع تأسيس "بيت التمويل الكويتي" (بيتك)، وملخص القصة هو أن فكرة المصارف الإسلامية كانت في زمن تولي العتيقي لحقيبة المالية جديدة، بل غير قابلة للتنفيذ بسبب قانون البنوك المعمول به منذ الاستقلال. لذا فلكي تنجح الفكرة كان لابد من وضع قانون خاص بها، وهو ما لم يكن متاحا في ظل وجود برلمان تسيطر عليه المعارضة". (ص532).

كيف عمل الوزير "العتيقي" للقضاء على هذه العقبة القانونية، وتجاوز المانع في "قانون البنوك" والتأسيس لنوع جديد من البنوك؟ يقول د. المدني: "انتهز العتيقي تعليق المادة 4 من الدستور في يوليو 1976 لإعطاء الحكومة فترة 4 سنوات تراجع فيها الدستور وتنقحه، وحل مجلس الأمة وتعطيل الانتخابات، وقام بتمرير قانون خاص في غياب مجلس الأمة عن طريق عرضه على مجلس الوزراء برئاسة الشيخ جابر الأحمد الذي وافق عليه بعد مناقشات، ثم صادق عليه أمير البلاد وقتذاك الشيخ صباح السالم الصباح، وهكذا ظهر أول كيان مصرفي إسلامي في الكويت هو عبارة عن شركة مساهمة كويتية برأس مال قدره عشرة ملايين دينار، تشارك فيها وزارة المالية بنسبة 20% ووزارة العدل (إدارة شؤون القصر) بنسبة 20% ووزارة الأوقاف بنسبة 9%، والجمهور بنسبة 51 عبر الاكتتاب العام، حيث تم افتتاح "بيت التمويل الكويتي" للجمهور لأول مرة يوم 31/ 8/ 1978م بعد مرور نحو تسعة أشهر على تأسيسه بصدور المرسوم الأميري بقانون رقم 72 لسنة 1977م. من إنجازات الوزير العتيقي التي يوثقها د. المدني "إنهاء إجراءات امتياز البنك الوطني وتحويله إلى "بنك الكويت والشرق الأوسط"، ومنها كذلك، يضيف، "قيادة الوفد الكويتي إلى الاجتماع التأسيسي لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط "الأوباك" ومنها أيضاً، "التوصل في عام 1972 إلى اتفاقيه المشاركة الجزئية بالملكية في صناعة النفط مع شركتي "بريتش بتروليوم" و"غولف" المالكتين لشركة نفط الكويت، كبديل للتأميم". (ص531) وفي حوار السيد "العتيقي" مع مجلة "الرجل" في مارس 1995، قال إن من الأفكار التي عرضها على مجلس الأمة الكويتي قبل حله في عام 1976، "إما خفض الإنتاج النفطي حفاظاً على نصيب الأجيال القادمة، وإما رفع الإنتاج واستثمار إيراداته بالداخل والخارج، مع وضع المستحصل في حساب خاص باسم حساب الأجيال القادمة". (ص531).

وينقل د. المدني عن الكاتب يوسف عبدالرحمن في مقال له بالأنباء 1/ 1/ 2014، تفاصيل قيام العتيقي بالرد مباشرة على الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في مؤتمر قمة القاهرة المخصص لبحث الغزو العراقي للكويت، حيث طرح القذافي حلا بالتزامن مع خروج كل القوات الأميركية والأجنبية من منطقة الخليج، فرد عليه العتيقي قائلا (بتصرف) "إذا كان الموجودون من أهل الكويت أصلهم وتربيتهم تفرض عليهم تجاهلك وعدم الرد، فأنا من سيرد عليك"، وأضاف العتيقي في رده على القذافي "أنا كمواطن كويتي مستعد للتحالف مع الشيطان لعودة بلادي وطرد الاحتلال العراقي". (ص533)

يقول الأستاذ حمزة عليان في كتابه المشار إليه منذ قليل: "نادراً ما يحصل في دول العالم الثالث أن يخرج وزير أمضى 11 سنة في النفط والمالية بدشداشة بيضاء تماماً كما دخلها للمرة الأولى، وهذا ما يقال عن عبدالرحمن العتيقي".

(وجوه من الكويت، ج2، ص321).

لا نريد مواصلة اختيار وعرض الشخصيات في كتاب د. عبدالله المدني في جزئه الثاني "على رمال الخليج: النخب في الخليج العربي" المنشور من قبل "هيئة شؤون الإعلام" في مملكة البحرين عام 2018، إذ ربما سنحتاج إلى الكثير من المقالات والحلقات الأخرى، ويمكن القول بكل ثقة إن كتابي د. المدني وأقصد الجزء الأول والثاني، عن النخب الخليجية عمل ثري بالمعلومات القائمة على التقديم المشوق وإعادة اكتشاف عطاء هذه النخب ووضعها في المكانة التي تستحقها. فالباحثون اليوم في جذور وتطور اقتصادات العالم العربي يقدرون بكل موضوعية استمرارية "الشريحة الرأسمالية الخليجية"، إن صح التعبير، وهو ما ينطبق بخاصة على الأسر التجارية والنشاط التجاري في دول كالكويت والبحرين والإمارات وبخاصة دبي. فقد ظلت بعض هذه الأسر تعمل وتستثمر بين المنطقة الخليجية والهند وإفريقيا منذ بدايات القرن العشرين وربما أبعد، وقام بعض الخليجيين بالغوص في مناطق كالسيلان، وقام التجار ببيع اللؤلؤ في المشرق والمغرب. بينما تعرضت الطبقة التجارية في العراق ومصر وسورية إلى سياسات مدمرة وتأميم وتصفيات وقرارات مرتجلة جعلتها تبدأ من جديد تقريباً منذ أواخر القرن، حيث لا تزال تعاني ضغوطا في عدم الاستقرار والحروب في هذه الدول.

ويفسح التناول الإنساني المنفتح والمنهج غير المنحاز للدكتور عبدالله المدني أن يتناول في المجلدات القادمة من العمل الحالي، مع تمنياتنا له بالصحة والعافية، أن يختار كذلك شخصيات آسيوية وعربية من مختلف الجنسيات، وبخاصة تلك التي أفنت حياتها في المنطقة الخليجية، ووضعت خبرتها السياسية والاقتصادية والقانونية والتعليمية والإدارية والمالية في خدمة أبناء المنطقة وبناء دولها وترسيخ بنيتها التحتية، وما أجدر بنا أن نثمن اليوم كل ذلك العطاء الكبير بدلاً من تسليط بعض الغوغاء وضيقي الأفق عليهم.

شكراً د. مدني، وتمنياتنا لكم بالصحة والتوفيق!