صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4388

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا تتجاهل وسائل الإعلام وثائق حرب أفغانستان؟

  • 23-12-2019

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» «وثائق حرب أفغانستان»، وهي عبارة عن مراجعة شاملة لآلاف الصفحات المؤلفة من وثائق حكومية داخلية ترتبط بالحرب في أفغانستان، على غرار «وثائق البنتاغون» التي كشفت أكاذيب حرب فيتنام، يثبت التقرير الجديد أن المسؤولين الأميركيين، على مر ثلاثة عهود رئاسية، عمدوا إلى تضليل الرأي العام الأميركي بطريقة منهجية طوال 18 سنة.

صرّح دانيال إيلزبيرغ، الذي سرّب وثائق البنتاغون في عام 1974، لقناة CNN بأن وثائق أفغانستان والبنتاغون كشفت المقاربة نفسها: «حمل الرؤساء والجنرالات نظرة واقعية عما يواجهونه، ولم يرغبوا في الاعتراف بالحقيقة أمام الشعب الأميركي».

لا تدين هذه الوثائق جانباً واحداً من السياسة الخارجية الأميركية فحسب، بل مسار صنع السياسات الأميركية كله، فهي تكشف اتفاقاً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي للكذب بشأن حقيقة ما كان يحصل في أفغانستان: أزمة نفايات مزمنة وفساد مزمن وخطط تنموية متلاحقة وغير مدروسة، مما أدى إلى فشل شبه مطلق في إرساء السلام والازدهار في البلد. كان لكل حزب منهما مبرراته لطمس الحقائق. برأي إدارة بوش، كانت أفغانستان مكوناً أساسياً من الحرب على الإرهاب، وبرأي إدارة أوباما، كانت تجربة أفغانستان «حرباً جيدة» كونها تختلف بشدة عن كابوس العراق.

بعبارة أخرى، كان محتوى وثائق أفغانستان مدوياً، لكن لم يَلْقَ التقرير انتباهاً واسعاً في الصحف عموماً، حتى أن قناتَي NBC وABC لم تغطّيا هذا التحقيق في نشراتهما الليلية هذا الأسبوع، وفي منشورات أخرى، تلاشى أثره على وقع التقارير المتلاحقة حول أحدث التطورات في ملحمة عزل ترامب، وتعهد جو بايدن المزعوم بالاكتفاء بولاية رئاسية واحدة في حال فوزه، والحسد المَرَضي الذي يصيب قادة العالم ويجعلهم يتصرفون مثل المراهقين.

يستحق سيل الأخبار المتلاحقة الذي يطبع الولايات المتحدة في عهد ترامب جزءاً من اللوم حتماً: هذه ليست المرة الأولى التي يُدفَن فيها خبر معين تحت وابل من القصص الإخبارية الأخرى، لكن لم تَلْقَ وثائق أفغانستان تغطية واسعة أيضاً لأن جميع الأطراف ملومة، مما يعني أن التركيز على هذا الخبر لا يخدم أحداً. حين تغيب التحقيقات، تتراجع التغطية الصحافية للخبر.

أطلق جورج بوش الابن حرب أفغانستان وأخفق فيها بطرقٍ متعددة، أبرزها إطلاق حرب أخرى في العراق، لكن عمد أوباما، رغم تشكيكه الواضح بجهود الحرب، إلى ترسيخ أخطاء بوش عبر الرضوخ لمسار السياسة الخارجية التقليدية في واشنطن والسماح بزيادة أعداد الجنود بلا جدوى، اليوم، قد يبدو الديمقراطيون ودونالد ترامب على وفاق بشأن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، لكن لم يحصل أي تقدم حقيقي في محادثات السلام. وفق النمط الشائع في مختلف الإدارات الأميركية، يضطر أي توجه لحل الأزمة إلى العودة ببطء نحو وضع المراوحة، أي المستنقع الاعتيادي.

تحب الصحافة السياسية مظاهر التعاون بين الحزبين كونها ترتبط بمفهوم العظمة الأميركية وخسارة المجد الغابر، كما أنها تتكل على الخلافات الحزبية لأن الصراعات تُكثّف عملها، لكنها لا تجيد التعامل مع الإخفاقات التي يرتكبها الحزبان.

خلال التحقيقات المرتبطة بعزل الرئيس، غطّت نشرات الأخبار بكل سرور الصراع القائم بين ترامب وأعضاء من أوساط السياسة الخارجية، واعتبرت الفريق الثاني عبارة عن بيروقراطيين أسخياء يعملون بشكل متواصل خدمةً للمصالح الأميركية من دون الكشف عن هوياتهم، ويواجههم في المقابل رئيس تنفيذي نرجسي وفاشل. لكن لا تطرح وثائق أفغانستان هذا النوع من التناقض البسيط، بل تفرض شكلاً من الإدانة الشاملة حيث يُعتبر ترامب وهؤلاء البيروقراطيون جزءاً من المشكلة نفسها.

كذلك، تنحاز وسائل الإعلام منذ فترة طويلة إلى الأخبار «الجديدة». كانت حرب أفغانستان تجربة فاشلة وكارثية طوال عقدين تقريباً، ونظراً إلى عدم حدوث تغيرات كبرى في هذه المسألة، لن تكون أي تقارير مرتبطة بها حماسية بما يكفي لجذب اهتمام الجمهور، وبما أن الرئيس هو أكبر مصدر للأخبار الجديدة في التاريخ الحديث (تغريداته وحدها تَمُدّ قناة MSNBC بِسَيْل من الأخبار في معظم الأيام)، غالباً ما تتلاشى القصص الأكثر تعقيداً، على غرار الوضع في أفغانستان، أمام وابل من التقارير السياسية الجانبية.

نتيجةً لذلك، لا تحصد هذه المسألة المثيرة للجدل تغطية واسعة ومتكافئة، ورغم خسارة حياة آلاف الناس سدىً وهدر مئات مليارات الدولارات، ينجو الجميع في الحكومة الأميركية من المحاسبة، فلا يزال الأشخاص المسؤولون عن بقاء الولايات المتحدة في أفغانستان منذ عام 2001 في السلطة، بفضل خليط من السخرية واللامبالاة، وكذلك يبدو أن وثائق أفغانستان تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة الحزب الجمهوري بقيادة ترامب، فهو موجود للتعبير عن ازدراء الناخبين بالمشرّعين النخبويين والمؤسسات التي يمثلونها.

* ألكس شيبارد