صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4433

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رياح وأوتاد: السفيرة جونز والأكاذيب التي شغلت الرأي العام الكويتي

  • 09-12-2019

بدعوة مشكورة حضرت يوم الأربعاء الماضي ندوة للسفيرة السابقة ديبورا جونز التي تحدثت فأسهبت عن قضايا كثيرة، وكان منها توضيحها للكذبة الشهيرة التي نسبت إليها ونشرها "ويكيليكس"، وهي أن الكويت لن تبقى لسنة 2021 بسبب الفساد، فبينت السفيرة أنها توقعت في برقية لها أنه بناء على أسعار النفط وتحول المستهلكين إلى مصادر طاقة بديلة فإن الكويت لن تحظى بالإيرادات التي تمتعت بها في زمن الرفاهية أثناء ارتفاع أسعار النفط، إلا أن كلامها تم تحريفه فأصبح كذبة كبيرة.

وهذا الصحيح الذي ذكرته جونز ليس بجديد، فقد أكده كل الاقتصاديين الذين درسوا الحالة الكويتية مثل لجنة إصلاح المسار الاقتصادي وبلير وماكنزي والبنك الدولي واللجنة الاستشارية الاقتصادية وتقرير الشال داعين بذلك إلى سرعة الإصلاح الاقتصادي.

ورغم وضوح تلك الكذبة فإن الكثيرين تداولوها لسنوات طويلة معتقدين صدقها واستشهد بها بعض كبار السياسيين الكويتيين للأسف.

أما أنا فقد أدركت منذ سمعتها أنها غير صحيحة لأن بقاء الدول أو سقوطها لا تحدده سفيرة وترسله إلى بلادها ببرقية، وإنما يُخطط في دوائر مخابراتية سرية ويفاجأ به الشعب وحتى السفراء بالإضافة بالطبع إلى عوامل أخرى مهمة.

وخرجت من الندوة وأنا أستذكر ذلك الكم الهائل من الأكاذيب التي سيطرت على حياتنا في الكويت والتي تمتلئ بها وسائل الاتصال الحديثة، ولم يسلم منها رؤساء الوزراء والوزراء والنواب والرموز السياسية وحتى المعارضة ورموزها، فأحالت الساحة السياسية التي كانت صحية ومستنيرة إلى ظلمة من الشكوك والاتهامات المتبادلة.

فأذكر مثلاً أنهم كذبوا على الشيخ جابر المبارك، فزعموا أنه قال "انتهى زمن الرفاهية"، فأشعلوا وسائل الاتصال بالهجوم والسخرية، والصحيح أنه دعا في كلمته أمام مجلس الأمة إلى الاستعداد للزمن الذي تنتهي فيه الرفاهية، وكذبوا على رئيس مجلس الأمة فزعموا أنه قال: "توجد 400 ألف جنسية مزورة" والصحيح أنه قال: "400 ألف زيادة غير طبيعية"، وكذبوا على صندوق التنمية فقالوا على خلاف الحقيقة "إن مليارات الكويت تصرف في الخارج ولا يصرف منها أي شيء داخل الكويت"، وكذبوا على صندوق احتياطي الأجيال القادمة، فزعموا أن فيه مليارات تكفي ليعيش جميع الكويتيين في أي بلد في العالم لمدة مئة سنة! وزجوا كذباً بأسماء بريئة ضمن أسماء القبيضة التي تورطت في فضيحة الإيداعات للإساءة إلى خصومهم السياسيين، وكذبوا على العمل الخيري فقالوا إنه يدعم الإرهاب، وكذبوا على أعضاء هيئة مكافحة الفساد ورموهم بالفساد دون حكم قضائي، وحتى رئيس الوزراء الجديد لم يسلم من اقتطاع جزء من كلمته ونشرها بشكل مشوه وهو أنه طلب من المواطنين الإبلاغ عن الفساد فقط، ولم يذكروا أنه ركز في الجزء الأول من كلمته على دور الحكومة في مكافحة الفساد، وحتى دور المواطن الذي ذكره الرئيس موجود أصلاً في المادة 14 من قانون الإجراءات التي تنص على: "كل شخص شهد ارتكاب جريمة أو علم بوقوعها عليه أن يبلغ ذلك فوراً أقرب جهة من جهات الشرطة أو التحقيق"، أي أن الشيخ صباح الخالد لم يأت بجديد، ولكنهم صوروا الدعوة وكأنها تملص من الحكومة عن دورها وأنه لا فائدة من البلاغات التي يتقدم بها المواطنون، رغم أن أهم وأكبر قضايا الأموال العامة تم اكتشافها والإبلاغ عنها بواسطة مواطنين مخلصين.

كما نال السلفيون ما نالهم من الأكاذيب حتى زعم آخرها أن السلفيين يقدسون الحاكم ويطيعونه في كل الأمور، وهي بالطبع كذبة مفضوحة في محاولة لتشويه عملهم وجهادهم لسنوات قاموا فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح كثير من المخالفات الوطنية والشرعية والدستورية.

وأيضاً لم يسلم كاتب هذه السطور من الأكاذيب مثل منع زواج البدون وعدم الوقوف مع المواطن والمطالبة بالضرائب، وذلك رغم كل الإحصاءات والمواقف والقوانين المنجزة بفضل الله التي تنسف هذه الأكاذيب.

لذلك فإن على الشباب الطموحين من مختلف المذاهب السياسية والمتابعين التأكد من صحة ما ينشر في وسائل الاتصال عملًا بقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ". كما أن عليهم الحذر مما ينشره الخصوم والأضداد السياسية قبل التأكد من مصدره.

قبل أسابيع قرأت مقالاً قيماً للشاب سعد الربيعان في إحدى الصحف تطرق فيه إلى معاناة كثير من الدول حتى المتقدمة منها من الأكاذيب التي تنتشر في وسائل التواصل، وتؤثر بالتالي على متخذي القرار، وكيف أن الحل السليم يكون بالإغراق الإيجابي أي بنشر الحقائق في وسائل الاتصال لتقضي على الأكاذيب، وبدوري أضم صوتي إلى الشاب سعد عملاً بقول الله تعالى: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُو زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ".

فيا حكومتنا الجديدة ويا كل المخلصين الصادقين من كل التجمعات السياسية، رأفة بالكويت عليكم بالإغراق الإيجابي والقذف بالحقائق في مواجهة الأكاذيب، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.